السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

52

مفاتيح الأصول

المعنى الحقيقي للأسد كان كذبا لعدم وقوع هذه النّسبة وإن أراد أنه شجاع وهو المعنى المجازي له كان صدقا لوقوع هذه النّسبة وبالجملة الكذب من عوارض المعاني والمجاز من عوارض الألفاظ واحد المفهومين غير الآخر والنّسبة بينهما العموم من وجه ويشهد بما ذكرنا من أن المجاز ليس بكذب وجوه الأوّل اشتراط القرينة في الاستعمال المجازي الثاني تقبيح العقلاء الكاذب وتحسينهم المتجوّز الثالث إجماع المسلمين على الظاهر على ارتكاب المجاز إذ لو كان كذبا لما جاز ذلك منهم لأنه محرم ويمتنع الإجماع على المحرم وأمّا الثّاني فللمنع من كونه ركيكا كيف وقد تعارف عند ذوي الفصاحة والبلاغة وأولي الألباب وأمّا الثّالث فللمنع من استلزامه الإلغاز والتعمية مع تحقّق القرينة وأما الرّابع فللمنع من المقدّمة الأولى بل يجوز العدول إلى المجاز مع القدرة طلبا لفوائده وأمّا الخامس فللمنع من أن كلّ من قام به فعل وجب الاشتقاق له منه إذ لا دليل عليه وقد يقوم الفعل بشخص ولم يشتق منه له لفظ إمّا مطلقا أو في بعض الصّور كما أشار إليه العلامة في التهذيب فقال ولا يجب الاشتقاق مع قيام المعنى بالذات فإن أنواع الروائح لم يشتق لها أسماء منها انتهى وممّا ذكر اندفع ما ذهب إليه الأشعري من القول بوجوب الاشتقاق نعم قد يقال الاشتقاق وإن لم يكن واجبا لكنّه جائز بحكم الأصل الناشئ من الاستقراء وذلك أن وجدنا أكثر من قام به فعل اشتقّ له منه فيلحق به موضع الشكّ ولولا هذا لوجب الرّجوع في خصوص كثير من المشتقَّات إلى أهل اللَّغة والمعلوم من طريقة القوم خلافه وبالجملة الَّذي دلّ على عدم اشتراط آحاد المجاز بالنّقل دلّ على عدم اشتراط آحاد المشتق به فالوضع فيه نوعي كما في المجاز ونحن قد علمنا عدم جواز إطلاق المتجوّز عليه تعالى فليس ذلك إلا لما ذكره المانعون من عدم وقوع المجاز في القرآن وقد يجاب بالمنع من كون الوجه في عدم جواز إطلاق المتجوّز عليه تعالى ما ذكره المانعون من عدم وقوع المجاز في القرآن بل الوجه فيه كون أسمائه تعالى توقيفية يجب ورودها من الشرع فما لم يرد الشرع بجواز إطلاقه عليه وإن اتصف تعالى بمعناه لا يجوز إطلاقه عليه تعالى وإلى هذا ذهب العلامة والسيّد عميد الدّين والشّيخ البهائي والكفعمي والطَّريحي صاحب مجمع البحرين والبيضاوي والعبري والحاجبي والعضدي كما عن الشَّيخ عليّ بن يوسف بن عبد الجليل في كتاب منتهى السّؤال والأشاعرة بل عزاه في مجمع البحرين والمصباح للكفعمي إلى العلماء ولهم على ذلك وجهان الأوّل أنّ الاسم الَّذي لم يرد الشَّرع به يجوز أن يكون إطلاقه عليه تعالى مشتملا على المفسدة الخفيّة الَّتي لا نعلمها وعدم العلم بها لا يستلزم عدمها في الواقع وما شأنه هذا يجب الامتناع منه والتباعد عنه لا يقال مجرّد الاتصاف بالمعنى يكفي في إطلاق لفظه على المتَّصف به لأنا نمنع منه فإن لفظي عز وجلّ لا يجوز إطلاقهما على النّبي صلى الله عليه وآله مع أنه عزيز وجليل فتأمل الثّاني قوله تعالى وذروا الَّذين يلحدون في أسمائه فإن المراد الَّذين يسمّونه بما لا توقيف فيه على ما قاله البيضاوي لا يقال يعارضه قوله تعالى وللَّه الأسماء الحسنى فادعوه بها لأنّا نمنع منه وذلك لأنّ الأسماء الَّتي لم يرد الشّرع بها لم يعلم حسنها لما عرفت من احتمال اشتمالها على المفسدة وفيه نظر إذ قد يعلم بعدم المفسدة وكون الإطلاق ممّا يليق بجلاله ويناسب كماله فحينئذ ينبغي جوازه ويندفع بهذا الوجه الأوّل هذا وممّا يؤيّد جواز إطلاق الاسم الذي يعلم بعدم المفسدة فيه إجماع العلماء على الظاهر على قراءة الأدعيّة المشتملة على أسمائه تعالى الَّتي لم ترد بطريق يصلح للحجيّة ولو كانت أسماؤه توقيفيّة يجب فيها أن يرد بالشَّرع بالخصوص لما جاز ذلك وأمّا نسبة القول بالتّوقيف إلى العلماء فمحلّ نظر كيف وقد حكي عن الشيخ نصير الدّين أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي في فصوله أنه قال كلّ اسم يليق بجلاله ويناسب كماله ممّا لم يرد به إذن يجوز إطلاقه عليه تعالى إلَّا أنه ليس من الأدب لجواز أن لا يناسبه من وجه آخر انتهى وحكي هذا القول عن القاضي وربّما يشعر به عبارة الشّهيد في قواعده وبالجملة منع إطلاق الاسم الَّذي يعلم بعدم المفسدة فيه عليه تعالى مشكل نعم المشتمل عليها والموهم للنقص لا يجوز إطلاقه عليه وقد حكى عليه الإجماع الشَّهيد في قواعده فإنه قال ما لم يرد السّمع وتوهم نقصا فيمتنع إطلاقه عليه إجماعا نحو العارف والعاقل والفطن والذّكي لأنّ المعرفة تشعر بسبق فكره والعقل هو المنع عمّا لا يليق والفطنة والذّكاء تشعران بسرعة الإدراك لما غاب عن المدرك وكذا التواضع لأنّه يوهم المذلَّة والعلامة فإنّه يوهم التأنيث والداري فإنّه يوهم تقدّم الشّك وما جاء في الدّعاء من قولهم لا يعلم ولا يدري ما هو إلَّا هو ممّا يوهم جواز هذا فيكون مرادفا للعلم انتهى ولعلّ السّبب في عدم جواز إطلاق المتجوز إيهامه النقص وأمّا وقوعه في السّنة فهو أيضا قول المعظم ولا شبهة فيه هذا مفتاح يشترط في استعمال اللَّفظ في المعنى المجازي أمور منها وجود معنى يكون اللَّفظ المزبور موضوعا بإزائه وشرطية هذا مما لا ريب فيه وذلك لأنّ المجاز استعمال اللَّفظ في غير ما وضع له ولا يتحقّق هذا بعد ثبوت الموضوع له والظاهر بل المعلوم أن أحدا لم يخالف فيما ذكرناه ومنها وجود القرينة على إرادة المعنى المجازي وشرطية هذا أيضا ممّا لا ريب