السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
50
مفاتيح الأصول
مع أنهم لم يتعرضوا فيها لا لقليل منها مثلا قالوا البيع نقل الملك من مالك إلى آخر بعوض معلوم فاقتصروا في تعريف البيع على معلوميّة العوض الَّتي هي من شرائطها ولم يتعرّضوا لباقي الشرائط كمعلوميّة المعوّض وكمال المتعاقدين وتراضى الطرفين وطهارة العوضين واشتمالها على نفع محلَّل مقصود للعقلاء وأن يكونا مقبوضين في الصرف غير متفاضلين مع المجانس إلى غير ذلك من شرائط البيع وكذا ما ذكروه في تعريف الإجارة والجعالة والضّمان والحوالة والعارية والوديعة وغيرها من العقود والإيقاعات فإنهم قد اقتصروا في جميعها على البعض ولم يتعرّضوا في شيء منها للمجموع ولو كان المقصود تعريف المعاملة المستجمعة لجميع شرائط الصحّة لم يجز ذلك قطعا وعلى الثالث أن الغالب تفارق المعنيين اللغوي والشرعي بحسب الصدق من جانبين أو من جانب واحد ولو كان المقصود من التحديدات المذكورة الكشف عن المعاني الأصلية بخواصّها الشرعيّة لتصادق المفهومان دائما ويمكن أن يقال إنّه لما كان الغالب في المعاملات مشاركة بعضها لبعض في بعض الصّفات كاشتراك البيع مثلا مع الهبة في نقل ملك العين ومع الإجارة في النقل بعوض وكاشتراك الإجارة مع الجعالة في استحقاق العوض بإزاء العمل ومع النكاح في التسلَّط على المنفعة على وجه اللَّزوم وكاشتراك الصّلح مع البيع والإجارة والإبراء بحسب اختلاف محلَّه وكان الواجب يتميز بعضها عن بعض لتوقف العلم بثبوت أحكامها المختلفة عليه تصدى الفقهاء لتعريف المعاملات على وجه يحصل به التمييز في الجملة ومن المعلوم أن التميّز بوجه ما لا يجب أن يكون لأجل الفصول المنوّعة لماهيّاتها المعلومة في العرف واللَّغة بل من الجائز حصوله باعتبار شرائطها ولا يفتقر أيضا إلى التعرّض لجميع تلك الشرائط بل يكتفي في ذلك بما يحصل به التميّز ولو شرطا واحدا ولذا ترى أنهم في بعض المعاملات لا يتعرّضون لشيء من الشرائط الشرعيّة وأنهم يقتصرون في بعضها على شرط واحد وربّما ذكروا شروطا متعدّدة بحسب الحاجة إليها في التمييز وبالجملة فمقصود الفقهاء ممّا ذكروه في تعريف المعاملات ليس إلَّا بتمييز بعضها عن بعض بوجه ما من الوجوه وهذا أمر يختلف من حيث الاستغناء عن الشروط والاحتياج إليها وكذا باعتبار الوحدة والتعدّد وحينئذ فلا يرد أنه إن كان المقصود من تعريف المعاملات شرح مفهومها الأصلية فلا وجه للتعرض للشرائط في بعضها إذ لا دخل لها في تحقّق تلك المفهومات وإن كان المقصود منه تحديد المعاملات المستجمعة لشرائط الصحّة فلا وجه لعدم التعرض للشرائط في تعريف بعض المعاملات والاقتصار على بعضها في بعض آخر بل الواجب على هذا التقدير ذكر الجميع في جميعها وإن كان المقصود بيان الاصطلاحات الشرعيّة فهو مبنيّ على ثبوت الحقيقة الشرعيّة لألفاظ المعاملات وهو مع فساده في نفسه خلاف ما صرحوا به وكذا لو كان المقصود تبين الحقيقة العرفيّة إذ لا ريب في أن المفهوم من لفظ البيع في عرف المتشرّعة ليس إلَّا معناه المعروف ووجه الاندفاع أن المقصود من التعريفات المذكورة ليس شيئا ممّا ذكر بل المراد منها تمييز المعاملات بعضها عن بعض على الوجه الَّذي قرّرناه فلا إشكال فإن قلت هب إن المقصود من تلك الحدود تمييز المعاملات بعضها عن بعض على ما ذكرتم فما الوجه في الحكم بأنّها معان شرعيّة مع عدم اشتمال بعض منها على شيء من شروط الصحّة كما اعترفتم به واشتمال ما وجد فيه ذلك على غيره ومقوّمات المعنى الأصلي وليس فيها ما يكون شرعيّا بجميع أجزائه المعتبرة فيه أجناسا وفصولا ولو كان في قدرته وليس الغرض من هذا الكلام تصحيح مثله قطعا قلت المراد بالشرعي هنا المعنى الموقوف على الشرع في الجملة ويقابله اللَّغوي والعرفي أعني ما لا توقّف له على الشّرع أصلا فلا يقدح في الحكم بالشرعيّة اشتمال الحدّ على شيء من المفهومات اللَّغوية أو العرفيّة نعم يقدح فيه عدم اشتماله على غيرها من المعاني الشرعيّة ولم يوجد في كلام القوم إطلاق الشرعي على مثل ذلك حتى يتوجّه النّقض به كيف ولا يستقيم فيه القول بأنّه لغة لكذا وشرعا لكذا فإنه إنّما يصحّ مع تغاير المعنيين وهما متحدان فإن قلت قصد التمييز في تلك الحدود يقتضي ذكر شرائط الصّحة بأسرها إذ بدونها لا يتميّز صحيح المعاملة عن فاسدها ولا عن فاسد غيرها قلت ليس المقصود من تلك الحدود تمييز المعاملة الصحيحة عن غيرها مطلقا بل المقصود تمييزها عن صحيح غيرها وهذا لا يفتقر إلى ذكر جميع شرائط الصّحة كما لا يخفى فإن قلت المحدود في هذه التعريفات إن اعتبر فيه قيد الصّحة انتقضت الحدود بأسرها طرد الدخول المعاملة الفاسدة التي لم يخرج بما ذكر فيها من شرائط الصّحة وإلا لا انتقضت عكسا بما يخرج به قلت نختار الأوّل ونلتزم أن هذه الحدود كلَّها تعريفات بالأعمّ ولا محذور في ذلك فإن التعريف بالأعمّ إذا كان المقصود تمييز الأخصّ عمّا عدا ذلك الأعمّ غير عزيز فإن قلت المعاني المفهومة من ألفاظ المعاملات لغة وعرفا مفهومات متباينة لا تصادق بينها فهي متمايزة بأنفسها وذواتها فأيّ حاجة في التّمييز إلى إيراد الشرائط الشرعية قلت تباين المعاملات بأسرها ليس أمرا بيّنا ولا مبيّنا فهو في حيّز المنع ولئن سلَّم فربّما كان العدول إلى شرائط الصّحة لصعوبة التمييز بنفس الماهيّة وإن