السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

49

مفاتيح الأصول

المشهورة ومنها أن المعهود من العقلاء الاقتصار على ما ثبت وجوبه دون المحتمل ولو كان من قبيل محل البحث ومنها أن عدم الدليل على الجزئية والشرطية والمانعية دليل عدمها وفي الجميع نظر واعلم أنه حكي عن بعض المنع من التمسك بأصالة الجزئية فيما إذا كان الشك فيها وتجويز التمسك بأصالة عدم الشرطية إذا كان الشك فيها الخامس اعلم أن أكثر ألفاظ المعاملات كلفظ البيع والصلح والعتق والدين والرهن والإجارة والعارية والوديعة وغير ذلك مما يترتب على معناه أثر شرعي ولا يتوقف تحققه على النية باقية على معانيها اللغوية في لسان الشرع وأن كلما يعتبر فيها فهو شرط في ترتب الحكم الشرعي عليها لا دخل له في المفهوم فعلى هذا لو شك في اشتراطها بشيء وكان هناك إطلاق يدفعه فالأصل عدمه لأن إطلاق قوله تعالى أحل الله البيع الصادق على المعاوضة المخصوصة الخالية عن الصيغة صدقا حقيقيا عرفا ولغة يدفعه فالمرجع في تحقيق تلك الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة ليس إلا العرف واللغة وليس الحاكم بالخروج عن الماهية والدخول فيها إلا أهل اللسان لا يقال ما ذكرته دعوى خالية عن البيان ولحكم تقتضيه عامة عديمة البرهان على أن الحدود المسطورة في كتب الأصحاب لبيان كثير من المعاملات كحد البيع والإجارة والمضاربة وقولهم في مقام ذكر الحد لغة كذا وشرعا كذا مما يشهد بصيرورة ألفاظها حقيقة في معان مستحدثة يختص بفهمها طائفة غير أهل اللغة فلا يمكن دعوى أن المرجع في الحكم بالدخول والخروج أهل اللغة لأنا نقول الحجة فيما ذكرنا هي أن هذه الألفاظ كانت قبل الشرع موضوعة لمعان معلومة فالأصل بقاؤها على معانيها الأصلية حتى يثبت الصارف ولم يثبت بل ثبت خلافه وذلك لأنها لو كانت منقولة في الشرع إلى غير تلك المعاني لكانت سابقة إلى فهم أهل الشرع عند إطلاقها مجردة عن القرائن والتالي باطل قطعا فالمقدم مثله بيان الملازمة أنه يبعد غاية البعد صيرورة اللفظ حقيقة في معنى على لسان الشرع دون المتشرعة وأما الحدود التي ذكرها الأصحاب وقولهم لغة كذا وشرعا كذا فلا يصلحان لمعارضته ما ذكرناه كما ذكره جدي رحمه الله فقال اعلم أنه ربما يقول بعض الفقهاء في العبادة والمعاملة في مقام التعريف إنه لغة كذا وشرعا كذا لعل المراد معنى اللفظ المذكور لتلك العبادة أو المعاملة أعم من أن يكون حقيقيا أو مجازيا لنزاعهم في ثبوت الحقيقة الشرعية أو يكون مراده من الشرع أعم من الشارع والمتشرعة أو يكون المراد من المعنى الصحيح شرعا والمعتبر عند الشارع والثمر بحسب الشرع وهذا هو الأقرب فيندفع الإشكال الأخير وهو أن العبادات توقيفية دون المعاملات فلو كان المعنى في المعاملات بحسب الشرع مغايرا للمعنى اللغوي أو العرفي لكانت المعاملات أيضا توقيفية ووظيفة الشرع لعدم إمكان الاطلاع على المعنى الاصطلاحي إلا من جهة صاحب الاصطلاح وتعريفه مع أن الفقهاء متفقون على أن العبادات توقيفية لا المعاملات كما لا يخفى على من لاحظ طريقتهم مع أنهم يصرّحون في المعاملات في مقام الاستدلال على محل نزاع وجدال أن المعتبر هو المعنى العرفي أو اللغوي مثلا يقولون في البيع ما يعد في العرف بيعا وفي الصّلح ما يعدّ فيه وفي اللغة صلحا إلى غير ذلك ويجعلون ما ورد من الأمور المعتبرة من الشرع شرطا للصحة انتهى وقد نبّه على ما ذكر السيّد الأستاذ رحمه الله بما ذكر وقد أطال الكلام هنا بما لا مزيد عليه ولا بأس بنقل ما ذكره فنقول قال قد سمعت قول الفقهاء في تحديد ألفاظ العبادات والمعاملات إنه في اللغة أو العرف لكذا وفي الشرع لكذا ويرد عليه إشكالان الأول أن هذا إنما يصح على القول بثبوت الحقيقة الشرعية فإن النافي لها لا يثبت لتلك الألفاظ معنى سوى معانيها الأصلية غير منقولة في الشرع إلى معان آخر حادثة كالعبادات ولذا نراهم يقولون إن العبادات توقيفية دون المعاملات ويرجعون في تحقيق معنى مثل البيع والإجارة والصّلح والدين والوديعة والعارية إلى اللغة والعرف ومع ذلك فكيف يصح منهم القول المذكور في هذه الألفاظ والأمر في الإشكال الأول هيّن إلى أن قال وأما الثاني فقد يجاب عنه بأن المراد تحديد المعاملات بحسب عرف المتشرعة دون الشارع أو تحديد المعاملات الشرعية أي المعاملات الصحيحة شرعا وهي التي يترتب عليها الآثار والأحكام الثابتة في الشرع أو المراد الكشف عن المعاني الأصلية للمعاملات بخواصها الشرعية فالبيع اللغوي والشرعي مثلا واحد بالذات مختلف بحسب الاعتبار فهو من حيث إنه متصور بالوجه المعروف في اللغة لغوي ومن حيث إنه متصور بالوجه الشرعي شرعي ويتوجه على الأول مضافا إلى ما فيه من التعسف الشديد فإن قولهم هو لكذا شرعا كالنص في إرادة المعنى الشرعي إنهم كثيرا ما يقع بينهم التشاجر في هذه الحدود ولو كانت أمور اصطلاحية محضة لما وقع فيها ذلك إذ لا مشاحة في الاصطلاح وأيضا فإن نقل هذه الألفاظ من معانيها الأصلية إلى ما ذكروه في تلك التعريفات والحدود مما لا يترتب عليه أثر شرعي إذا كان ذلك اصطلاحا منهم لا من الشارع ولا فائدة تعود إليهم في تحرير المسائل وتقرير المطالب كما في سائر اصطلاحاتهم واصطلاحات غيرهم من أرباب العلوم والصنائع فإن تقرر المطالب الفقهية مما لا يتوقف على هذه الاصطلاحات كما لا يخفى وعلى الثاني أنه لو كان المقصود تحديد المعاملات الصحيحة شرعا لوجب استقصاء شرائط الصحة في تعريفاتها