السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

47

مفاتيح الأصول

والغسل والحج على قسمين صحيح وفاسد فمن أتى بالصحيح كان له ذلك ومن أتى بالفاسد كان عليه ذلك والأصل فيما ينقسم إلى الأمرين أن يكون حقيقة في القدر المشترك بينهما لا يقال ذلك باعتبار ما يسمى في الشرع لا باعتبار ما هو حقيقة فيه كما أشار إليه الباغنوي لأنا نقول الأصل في التقسيم أن يكون باعتبار المعنى الحقيقي وإلا لم يكن من أدلة الوضع للقدر المشترك نعم إن قام دليل أقوى منه وجب العدول عنه وإلا كما في محل الفرض فلا يجوز العدول عنه ومنها صحة استثناء الفاسدة منها فإنه يقال الصلاة تحقن الدماء إلا الفاسدة منها والأصل فيه الاتصال ومنها حسن الاستفهام عن الصحيح والفاسد في نحو قوله الصّلاة تحقن الدم والأصل فيه الدلالة على الاشتراك إما اللفظي أو المعنوي وهنا لما لم يكن الأول لعدم القائل به على الظاهر تعيّن الثاني ومنها أن العبادات لو كانت ألفاظها موضوعة للصحيح لما جاز تعليق الأمر بها على ألفاظها ويقال صل وتوضّأ والتالي باطل قطعا لتواتره عنهم عليهم السلام فالمقدم مثله بيان الملازمة أن ألفاظها على هذا التقدير تدل على مطلوبيّة معانيها قبل تعلق الأمر بها لأن معناها العمل الصحيح وهو لا يكون إلا مطلوبا ومأمورا به فلا يحصل من تعلق الأمر بها فائدة جديدة ويكون قوله صل مثلا بمنزلة أريد منك العمل الذي هو مرادي وفساد هذا معلوم ولا يلزم هذا تقدير القول بالوضع للأعم كما لا يخفى وقد يجاب بأن تعلق الأمر بها يفيد كونه بمنزلة ما تعلق به واجبا وهذه الفائدة لم تحصل بمجرد ألفاظها إذ غايتها الدلالة على المطلوبية في الجملة وهي أعم من كونها على سبيل الوجوب أو الاستحباب فتأمل ومنها أن الألفاظ لو كانت موضوعة للصحيح منها لما جاز تعليق الأمر بإعادتها إذا فسدت بترك جزء أو شرط منها على تلك الألفاظ كما يقال إذا تركت الركوع فأعد صلاتك واللازم باطل فالملزوم مثله أما الملازمة فلأن المعلق وهو الأمر بالإعادة يدل على عدم تحقق مدلول المعلق عليه في الصورة المفروضة لأن الإعادة عبارة عن الإتيان بالشيء بعد الإتيان به أولا إما مطلقا أو على وجه فاسد واللفظ المعلق عليه يدل على تحقق مدلوله في تلك الصّورة لأنه موضوع للعمل الصحيح وهو غير الفاسد فيلزم التناقض وهو غير جائز وأما بطلان اللازم فواضح لأن تعليق الأمر بالإعادة على ألفاظ العبادات قد تواتر نقله عن أهل العصمة عليهم السلام وتظافر في كلام الفرقة المحقة ولا يلزم هذا على تقدير القول بالوضع للأعم كما لا يخفى وقد أشار إلى هذه الحجة السيّد عميد الدين لا يقال هذا حسن لو التزمنا بأن المراد من ألفاظها عند تعلق الأمر بالإعادة معانيها الحقيقية ولكن لا نلتزم بذلك بل نحمل ألفاظها حينئذ على المعنى المجازي وحينئذ لا يلزم ما ذكرته لأنا نقول دعوى التجوز في الأخبار المتواترة مما يقطع بفساده ولئن تنزلنا فلا أقل من لزوم ذلك كثرة المجاز والأصل عدمها ومنها أن ألفاظ العبادات لو كانت موضوعة للصحيح للزم أن لا يكون النهي المتعلق بها مقتضيا للفساد نحو قوله لا تصل في المكان المغصوب بل لزم أن يكون النهي المتعلق بها مقتضيا للصحة كما عن محمد بن الحسن الشيباني وأبي حنيفة والتالي بقسميه باطل فالمقدم أما الملازمتان فلما احتج به القائل بدلالة النهي في العبادات على الصحة من أن المنهي عنه إما الشرعي أو غيره والتالي باطل لوجوب حمل اللفظ الوارد من الشارع على ما وضعه له وإلغاء غيره من موضوع اللغة والعرف كما في غير النهي ولأن النهي عن صلاة الحائض ليس عن الدعاء وكذا باقي ألفاظ الصور المذكورة وحينئذ نقول ذلك المعنى الشرعي إما أن يمكن تحققه أو لا والتالي باطل وأما لما صح النهي عنه فإن المحال كما لا يصح الأمر به لا يصح النهي عنه وأيضا فإنه لا يصح أن يقال للزمن لا تطر وللأعمى لا تبصر فثبت أن النهي عنه هو المعنى الشرعي أعني الصحيح وهو ممكن التحقق وهو المطلوب وأما بطلان التالي بقسميه فللدليل القاطع على اقتضاء النهي في العبادات الفساد كما عليه أكثر المحققين ولا يلزم ما ذكر على القول بالوضع للأعم كما لا يخفى ولذا أجاب جماعة عن الحجة المزبورة بالمنع من أن معنى الصّلاة شرعا الصحيح بل ما يسميه الشارع بذلك لا يقال لا نسلَّم توجّه النهي إلى المعنى الحقيقي ونمنع من اتصافه بالحرمة وهذا وإن كان مخالفا للأصل ولكن يجب المصير إليه للأدلة الدالة على الوضع للصحيح كما أشار إليه الباغنوي لأنا نقول لا نسلَّم قيام دليل قاطع بل ولا ظاهر على الوضع للصحيح ولو سلمنا قيام ظاهر عليه فلا ريب أن ما ذكرناه أظهر فإن التأويل في جميع النواهي الواردة في الشريعة المتعلقة بألفاظ العبادات مما يكاد يقطع بفساده ومنها أن ألفاظ العبادات لو كانت موضوعة للصحيح لزم أن يكون وصف الصحة داخلا في المفهوم وهو باطل لأنه من عوارض الوجود الخارجي فكيف يكون داخلا فيه وفيه نظر إذ ليس المراد من قولهم ألفاظ العبادات أسماء للصحيحة أن الصّحة مأخوذة في مفهوماتها داخلة معانيها بل المراد أنها أسماء للماهيّات المخصوصة التي إذا أوجدها المكلف كانت صحيحة فلا يرد أن الصحة والبطلان من عوارض الوجود الخارجي لا من صفات الماهيات وكذا لا يرد أنا نقطع بأن المفهوم من لفظ الصلاة مثلا ليس إلا الأركان المخصوصة وأما الصحة فلا يستفاد منه أصلا وقد صرّح بما ذكر السيّد الأستاذ رحمه الله ومنها ما أشار إليه العضدي وغيره من أن لفظ الصلاة لو كان موضوعا للصحيح لكان الوضوء وغيره من شرائط الصلاة داخلة في مفهوم