السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

46

مفاتيح الأصول

معان لا تحصى وهو باطل قطعا لا يقال تقييد إطلاق الرواية بما إذا كانت الفاتحة واجبة في الصّلاة وشرطا في صحّتها فيكون التقدير لا صلاة حقيقة إلا بفاتحة الكتاب إذا كانت شرطا شرعا في الصّلاة لأنا نقول هذا ليس بأولى من الحمل على نفي الكمال ولا بعد في أن يكون صلاة السّاهي عن الفاتحة غير كاملة بالنسبة إلى قارئها فتأمل لا يقال التخصيص أولى من المجاز لأنا نقول لا نسلم أولوية هذا التخصيص على هذا المجاز لأن هذا المجاز قد شاع بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة ومثل هذا المجاز أولى من التخصيص سلمنا عدم الشيوع ولكن ارتكاب التخصيص يستلزم تخصيص العام إلى الأقل من النصف وهو إن سلم جوازه فلا ريب في أنه مرجوح بالنسبة إلى التجوز ولئن تنزلنا فلا أقل من التساوي ومعه يسقط التمسك بالرواية على المدعى فتأمل وأما ثانيا فبمعارضة المذكورات بقول مولانا الباقر عليه السلام إذا دخل الوقت وجب الطهور والصّلاة فإن الظاهر من هذا العطف تحقق مفهوم الصّلاة بدون الطهور وهو المطلوب وبقول الصادق عليه السلام الصّلاة ثلاثة أثلاث ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود فتأمل وأما ثالثا فبأن غاية ما يستفاد من المذكورات على فرض التسليم كون لفظ الصّلاة والصوم موضوعا للصحيح لا مطلق ألفاظ العبادات فالدليل أخصّ من المدعى وتتميمه بعدم القائل بالفصل لا يخلو عن إشكال فتأمل الرابع ما ذكره سيّد الأستاذ رحمه الله من أنا نعلم أن للعبادات أجزاء معتبرة فيها يتألف ماهيتها ولو كانت أسامي للأعم لصحّ إطلاقها مع فقدها فيلزم انتفاء جزئيتها أو تحقق الكل بدون أجزائه وكلاهما باطل بالضرورة وفيه نظر للمنع من الملازمة قطعا فإن القائل بالأعم لا يدعي صدق اللفظ حقيقة مع فقد جزء من الأجزاء المعتبرة في المفهوم إذ هو بالبديهة باطل بل إنما يدعي صدق اللفظ على ما هو فاسد شرعا والفساد لا يتوقف على انتفاء جزء من الأجزاء المعتبرة في المفهوم بل يحصل ويتحقق مع حصول جميع الأجزاء المعتبرة في المفهوم وذلك في مواضع منها إذا انتفي الشرط المصحح للعمل كالوضوء واستقبال القبلة بالنسبة إلى الصلاة ونحو ذلك فإنها ليست من أجزاء المفهوم قطعا مع تحقق فسادها بدونها ومنها إذا تحقق شيء من الموانع كالتكلم عمدا والحدث عمدا في أثناء الصلاة فإن الفساد يتحقق بوجود أحدهما وليس تركهما من الأجزاء المعتبرة ومنها ترك أجزاء المعتبرة في العمل الخاص المأمور به كالتشهد والطمأنينة والقراءة فإنها ليست أجزاء لمفهوم الصلاة بل هي أجزاء للصلاة المأمور بها ولذلك أطلق عليها اسم الجزء مع أنه يحصل الفساد بتركها فتدبّر الخامس ما تمسك به السيّد الأستاذ رحمه الله فقال إن العبادات بأسرها متعلقات طلب الشارع وأمره ولا شيء من الفاسدة كذلك انتهى وفيه نظر لأنه إن أراد أنّ جميعها مطلوب في الجملة ولو في ضمن فرد ما فمسلم ولكنه لا يجدي قطعا وإن أراد أن جميع أفرادها مطلوبة فهو ممنوع إذ لا دليل عليه لا يقال الدليل عليه إطلاقات الأمر بها نحو توضّأ وصلّ لأنا نقول لا نسلَّم الإطلاق في جميع الموارد سلمنا ولكن يجب تقييده حيث يثبت فساد فرد منها وهو وإن كان خلاف الأصل ولا يلزم على القول بالوضع للصحيح ولكن يجب المصير إليه فإن ما دل على الوضع للأعم أقوى منه جدا السادس ما تمسّك به السيّد الأستاذ رحمه الله من أن العبادات أمور توقيفية لا تعرف إلا من قبل الشارع ولو كانت للأعم لما كانت كذلك لأن المرجع حينئذ فيها إلى العرف ويمكن الجواب عنه أولا بأن الرجوع إلى العرف لو كان قادحا في كون الشيء توقيفيّا لما جاز لكم في إثبات الوضع للصحيح الرجوع إلى عرف المتشرعة والتمسك بالتبادر وصحة السّلب وثانيا بأن القائل بالأعم لا يرجع إلى مطلق العرف بل إلى عرف المتشرعة لأنه دليل على عرف الشارع وذلك لأنه إذا ثبت أن ألفاظ العبادات موضوعة عند المتشرعة للأعم وجب الحكم بأنها عند الشارع كذلك أما المعلومية اتحاد العرفين إجمالا أو لأنه لو لم يكن كذلك يلزم نقل آخر في تلك الألفاظ والأصل عدمه وبالجملة أن السبب في الرجوع إلى عرف المتشرعة في إثبات كون ألفاظ العبادات موضوعة للأعم هو السبب في الرجوع إلى العرف العام في إثبات الحقائق اللغوية فلا وجه للتفرقة بين الأمرين لا يقال يمكن الفرق بينهما بأن الرجوع في الأخير ليس رجوعا في أمر توقيفي إلى العرف فيجوز والرجوع في الأول رجوع في أمر توقيفي إلى العرف فلا يجوز لأنا نقول هذا باطل قطعا إذ كما أن اصطلاحات الشارع وأوضاعه أمور توقيفية كذلك اصطلاحات أرباب اللغة وأوضاعهم أمور توقيفية لأن الأمر التوقيفي عبارة عما لا يستقل العقل بإدراكه بل يتوقف على فعل الغير وإعلامه وهذا المعنى متحقق في اللغات فإذا اتحد الأمران وجب اشتراكهما فيما ذكر وليس لأحد أن يمنع من جواز الرجوع إلى العرف في إثبات الحقائق اللغوية فإن ذلك معلوم البطلان وقد اتفق القوم على خلافه وللآخرين القائلين بالوضع للأعم من الصحيح وجوه أيضا منها أن ألفاظ العبادات قد استعملت في الصحيح والفاسد والأصل فيما يستعمل في معنيين أن يكون حقيقة في القدر المشترك بينهما ومنها أن الألفاظ تقيد بالقيدين فإنه يقال صلاة صحيحة وصلاة فاسدة والأصل فيما يقيد بالقيدين أن يكون حقيقة في القدر المشترك بينهما ومنها صحة تقسيمها إلى الصحيح والفاسد فإنه يقال الصّلاة والوضوء