السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
45
مفاتيح الأصول
المتبادر عندهم معنى مجازي واللفظ إنما يحمل على معناه الحقيقي عند التجرد عن القرينة فهو من إحدى ثمرات النزاع بين الفريقين فكيف يجوز دعوى كون النزاع لفظيا إذا قيل بالحمل على الصحيح لتبادره وثالثا أن الذي اعترفنا به هو تبادر الفرد الكامل لا مطلق الصحيح الأعم منه وهذا التبادر لا يقتضي حمل اللفظ على المتبادر في مقام الأمر بالعبادات وإلا لكان المأمور به الفرد الكامل وهو باطل بالإجماع فإذا سقط اعتبار التبادر وجب التمسك بالإطلاق لأن المانع منه هو هذا التبادر فإذا ارتفع يبقى المقتضي سالما عن المعارض فتأمل ورابعا أن ما ادعيتموه من لزوم الحمل على المتبادر وهو الصحيح الإجمال في الإطلاق وعدم جواز التمسك به لدفع ما شك في اعتباره فيها الخارج عن مفهومها كالسورة وجلسة الاستراحة إذا لم يقم دليل على اعتباره فيها باطل لأنه لو تم للزم الإجمال في جميع الإطلاقات الشرعية لأن المتبادر منها الفرد المعتبر في الشرع إذ لا شك في أن الشارع إذا قال اغسله أو اركع كان المفهوم منه اغسله أو اركع على الوجه المعتبر واللازم على ما ذكرتموه عدم جواز التمسك بتلك الإطلاقات لدفع ما يشك في اعتباره فيها الخارج عن مفهوماتها كالغسلتين في المثال الأول والطمأنينة في مثال الثاني لاحتمال كون المركب منه هو الفرد المعتبر وهو باطل قطعا وخلاف المعهود عن طريقة الأصحاب جدا فإن قلتم إن الإطلاق إذا ورد في غير العبادات دل على أن جميع الأفراد كلَّها معتبرة إلا ما ثبت من الشرع عدم اعتباره فمن يدعي أن الفرد الفلاني غير معتبر ولم يقم عليه حجة يدعي شيئا يخالف الدليل الشرعي فلا يلتفت إليه فكان الفرد الذي هو محل البحث محكوما عليه بكونه معتبرا بنفس الإطلاق قلنا هذا بعينه جاز في إطلاق العبادات حرفا بحرف والحاصل أنه إذا ورد إطلاق العبادات وجب الحكم بأن كلما يندرج تحت مفهومه صحيح يحصل به الامتثال والخروج عن العهدة حتى يثبت خلافه فإن ادعى ثبوت خلاف ذلك في فرد حكم به مع قيام الدليل الأقوى من ظاهر الإطلاق وإلا فلا بل وجب الحكم ببقائه تحت الإطلاق وبصحته بنفس الإطلاق وبالجملة إذا ثبت كون ألفاظ العبادات موضوعة للمعنى الأعم كان حكمها حكم سائر الإطلاقات ويترتب عليها ما يترتب على سائر الإطلاقات ولا كذلك الأمر لو قيل بكونها موضوعة للصحيح فوجب تحقيق الحق من القولين فكيف يتوهم كون عود النزاع لفظيا الثاني ما تمسك به جدي رحمه الله والسيّد الأستاذ رحمه الله بأن الفاسد من العبادات يصح سلب اسمها عنه فيلزم أن يكون معنى مجازيا لأن صحة السّلب دليل المجاز وفيه نظر للمنع من المقدمة الأولى الثالث ما تمسّك به جدي والسيّد الأستاذ رحمه الله من أن الظاهر من قوله عليه السلام لا صلاة إلا بطهور ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ولا صيام لمن لم يبيت الصيام انتفاء الماهيّة بانتفاء الأمور المذكورة فلا تحقق مع الفساد والحمل على نفي الصحة تأويل لا يرتكب إلا لدليل وقد وجد في مثل لا نكاح إلا بوليّ لا طلاق إلا بشهود لا عتق إلا في ملك فوجب ارتكابه فيه بخلاف ما نحن فيه ويمكن الجواب عمّا ذكر أما أولا فبأن المراد من المذكورات إما نفى الصّحة أو الكمال المجامع للقول بالوضع للأعم لوجوه منها أن الحمل على نفي الماهية والحقيقة بعيد عن منصب الشرع كما ذكره الأكثر في وجه حمل نحو قوله عليه السلام الطواف بالبيت صلاة والاثنان وما فوقهما جماعة على إرادة التشبيه في الحكم الشرعي ومنها أن الغالب في توجّه النفي إلى الماهية عدم إرادة الحقيقة كما صرّح به بعض الفضلاء نقول لا سفر إلا مع رفقاء ولا إقامة إلا بين الأحباء ولا أخذ إلا عن ماهر ولا قراءة إلا عن مصحف ولا دعاء إلا مع الإقبال ولا بيع إلا في ملك ولا نكاح إلا بولي ولا صلاة لمن جار المسجد إلا فيه فيجب حمل إطلاق ذلك على ما شاع الاستعمال فيه وفيه نظر لأنا لا نسلَّم إلا صيرورة الشائع مجازا راجحا مساويا احتماله لاحتمال الحقيقة وغاية هذا لزوم التوقف في الحمل على الحقيقة والمجاز لا لزوم الحمل على المجاز الشائع كما ذهب إليه بعض العامة نعم يسقط الحجة المزبورة بعد تسليم شيوع التجوز للزوم التوقف حينئذ في الحمل على نفى الماهية ولا يتم إلا به إلا أن يمنع من لزوم التوقف في الحمل على نفي الماهية هنا وإن سلم شيوع الاستعمال في خلافه لأن اللفظ لم يكثر استعماله في خصوص مجاز كنفي الصحة أو نفي الكلام بل إنما أكثر استعماله في نوع المجاز وكثرة التجوز حصلت بانضمام الاستعمال في نفي الكمال إلى الاستعمال في نفي الصّحة ومثل هذا الغلبة لا نسلَّم صلاحيته لمنع الحمل على الحقيقة نعم ما ادّعاه بعض الأفاضل من صيرورة نفي الكمال مجازا غالبا يتجه معه دعوى التوقف ولكنه خلاف التحقيق وخلاف المعروف من سيرة معظم الأصحاب كما لا يخفى ومنها أنه لو حمل على نفي الماهية للزم الحكم بأن الصلاة التي لا فاتحة فيها ليست صلاة حقيقة مطلقا ولو كانت الصّلاة التي ترك فيها الفاتحة نسيانا أو لعذر مسوغ له والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فظاهر فإن الرواية عامة وأما بطلان التالي فللاتفاق على كون الصّلاة المتروك فيها الفاتحة سهوا أو لعذر صلاة حقيقية لا يقال لا نسلَّم الاتفاق على ذلك فإن القائل بالوضع للصحيح يلزمه المخالفة لأنا نقول لا ريب أنه يقول بكون المفروض صلاة حقيقة ولزوم المخالفة ممنوع لأنه يجعل لفظ الصّلاة حقيقة في العمل الصحيح بأيّ نحو حصل ومنه المفروض ولا يجعله حقيقة في هيئة خاصة معينة للزوم القول باشتراك العبادات