السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

44

مفاتيح الأصول

الصحيحة في الأمثلة المزبورة لمجرد الوضع بل بشهادة الحال وغلبة الاستعمال كما في تبادر البيع الصحيح والتزويج الصحيح والطلاق الصحيح والغسل المعتبر من قوله بعت أو من باع فله درهم وقوله تزوجت هند بعمرو أو من تزوج هندا فله كذا وقوله من طلق فله كذا وقوله من غسل ثوبه فله كذا وبالجملة تبادر الصحيحة من تلك الألفاظ وألفاظ المعاملات من قبيل تبادر الفرد الشائع من اللفظ المطلق ومثل هذا التبادر لا يكون دليلا على المعنى الحقيقي وإلا لكان لفظ الغسل حقيقة في الغسل بالماء والبيع حقيقة في البيع الصحيح واللازم باطل باعتراف الخصم لا يقال إذا اعترفتم بتحقق التبادر فيلزم القول بأن ألفاظ العبادات حقائق فيما هو المتبادر ولا ينفعكم احتمال كونه من تبادر الفرد الشائع من المطلق ولا التمثيل بتبادر البيع الصحيح من لفظ البيع المطلق وذلك لأن الأصل في التبادر كونه علامة الحقيقة حتى يثبت المانع وثبوته في بعض الموارد لا يمنع من حكم الأصل فيما لم يثبت فيه وإلا لما جاز التمسك بأكثر الأصول الشرعية وأما أن الأصل في التبادر ما ذكر فمما لا يستطيع أحد إنكاره لأنا نقول لم ندفع الحجة المذكورة باحتمال كون التبادر من قبيل تبادر الفرد الشائع من المطلق حتى يرد ما ذكر بل ندفعها بظهور كونه منه وحجتنا في دعوى هذا الظهور أن التبادر لو كان ناشئا من جهة الوضع لكان اللازم الحكم بفهم الصحيحة من ألفاظ العبادات حيثما تطلق مجردة عن القرينة كما يفهم الحيوان المفترس من لفظ الأسد والوجوب من الأمر والحرمة من النهي عند التجرد عن القرينة وهو باطل لوجوه الأول أنا لا نفهم من قول القائل رأيت رجلا يصلي أو جماعة يصلَّون أو رأيت زيدا الخارجي الكافر صلى في الصبح الإخبار بأنهم صلَّوا صلاة صحيحة كما يفهم ذلك من قوله رأيت فلانا يصلي صلاة صحيحة أو رأيت جماعة يصلون صلاة صحيحة أو رأيت الخارجي يصلَّي صلاة صحيحة ولذا لا يكذب القائل الأول لو ظهر فساد صلاة الرجل والجماعة أو أحدهم ولا يحكم بأنه شهد بإسلام الخارجي الثاني أنه لا يفهم من قولهم فلان لا يصلَّي ولا يتوضّأ ولا يغتسل من الجنابة ولا يحج أنه لا يأتي بالأعمال المزبورة على وجه صحيح بل يفهم منه أنه لم يأت بتلك الأعمال ولو فاسدة ولذا يكذب المخبر لو ظهر أن فلانا يأتي بالأعمال المزبورة على وجه فاسد الثالث أنه لو كان المتبادر من نحو لفظ الصّلاة العمل الصحيح لما جاز لأحد أن يخبر بأن فلانا صلى إلا بعد علمه باجتماع جميع شرائط الصّحة كما لا يجوز أن يخبر بأن هذا زيد إلا بعد العلم بكونه زيدا والتالي باطل لأنا نجد اتفاق المتشرعة على الإخبار بأن زيدا صلى مع عدم العلم بصحة صلاته لا يقال لا نسلَّم الملازمة لجواز الإخبار بذلك بناء على ظاهر حال المسلم وأصالة حمل فعله على الصحة كما تخبر وتشهد بأن ما في يد زيد ملكه وبأن من يوجد على فراشه ولده مع عدم علمك بالواقع ومثل هذا كثير في الشريعة بل وفي عادة العقلاء لأنا نقول لو صحّ ذلك لصحّ أن يخبر بأن صلاة زيد صحيحة وهو ممنوع سلمنا ولكن الإخبار بناء على ظاهر الحال مبني على التجوز وإن شاع بناء على أن الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية لا لما يعتقده المتكلم فتأمل ثم إنا نقول لو كان التبادر الذي ادعاه الخصم دليلا على الحقيقة للزم الحكم بكون ألفاظ العبادات حقائق في الفرد الكامل المشتمل على المستحبات لأنه المتبادر عند إطلاقها فيكون الفرد الغير المشتمل على المستحبات والفرد الذي ترك فيه بعض الواجبات سهوا أو لعذر مجازا أو حقيقة أخرى لتلك الألفاظ فتكون مشتركة لفظا بين الأفراد المذكورة والملازمة باطل جدا فتأمل لا يقال إذا عرفتم بأن المتبادر من ألفاظ العبادات الصحيح لزمكم أن تقولوا بما قاله القائلون بوضعها له من لزوم حملها عند الإطلاق على الصحيح وعدم جواز التمسك بالإطلاق والأصل لدفع ما يشك في اعتباره فيها فلا يترتب على قولكم بالأعم فائدة ويعود النزاع بينكم وبين أولئك لفظيا خاليا عن الفائدة أما لزوم الحمل على الصحيح على هذا التقدير فلان الألفاظ المطلقة إذا أطلقت تنصرف إلى الفرد الشائع المتبادر وأما عدم جواز التمسك بالأصل لدفع ذلك فلصيرورة الإطلاقات بعد حملها على الفرد المتبادر مجملة بالنسبة إلينا لعدم معلوميته لنا والمجمل ليس له إطلاق يتمسك به لدفع المحتمل ولذا صار الأصل في الخطابات المجملة الأخذ بالاحتياط ولزوم تحصيل البراءة اليقينية بالإتيان بكل ما يحتمل اعتباره فيه مع العلم بعدم كونه مفسدا له وترك ما يحتمل مانعا وأما عود النزاع حينئذ لفظيا فلأنه لا فائدة فيه إلا الأمران المتقدمان فإذا التزمتم بهما لزم ما ذكرناه لأنا نقول أولا لو تم ما ذكرته للغي دعواكم أن الألفاظ معاملات موضوعة للأعم من الصحيح والفاسد لأن المتبادر منها الصحيح فيجب أن يحمل عليه وأن يدعى أن الأصل فيها الأخذ بالاحتياط فما هو جوابكم فيها فهو جوابنا في العبادات وثانيا أنا لا نسلَّم لزوم الحمل على الصحيح على تقدير تبادره إلا فيما إذا كانت الخطابات المتضمنة لألفاظها مطلقة كما لو قال الشارع الصلاة كذا وأما إذا كانت عامة كما لو قال الشارع كل صلاة كذا فلا نسلَّم الحمل عليه بل يجب الحمل على جميع الأفراد وذلك لأن نحو هذا التبادر أنما يؤثر في حمل المطلق على المتبادر لا في حمل اللفظ العام عليه وهذا التفصيل لا يقول به القائلون بالوضع للصحيح بل هم يوجبون الحمل عليه مطلقا لأن غير