السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
437
مفاتيح الأصول
عدد معين وليس بحق وقال الرازي في المحصول اعلم أن هاهنا أمورا معتبرة في كون التواتر مفيدا للعلم وأمورا يظن أنها معتبرة مع أنها في الحقيقة غير معتبرة أما القسم الأول فنقول إن تلك الأمور إما أن تكون راجعة إلى السامعين أو إلى المخبرين ثم قال أما ما يرجع إلى المخبرين فأمران وذكر الأول ثم قال الثاني العدد فيه مسائل ثم نقل في مسألة قول القاضي أبي بكر على ما نقلنا عنه وتكلم عليه وقال في مسألة أخرى الحق أنّ العدد الذي يفيد قولهم العلم غير معلوم فإنه لا عدد يفرض إلا وهو غير مستبعد في العقل ندور الكذب عنهم فإن الناقص عنهم بواحد والزائد عليهم بواحد لا يتميز عنه في جواز الإقدام على الكذب ومنهم من اعتبر عددا معيّنا وذكر وجوها ثم قال بعد نقل الوجوه فهذا هو الشرط الذي في الخبر المتواتر إذا أخبر المخبرون عن المشاهدة العلم بما نقلنا أن من قال بتعيين العدد الأقل معناه الاشتراط به وحينئذ فلا يرد على ما استدلَّوا به على ردّه من عدم العلم به سابقا أو لاحقا إلا ما أورده المحشي من أن من اعتبر العدد المخصوص لعلَّه جعله مشروطا به في الواقع ولا يلزم العلم به قبلا أو بعدا والجواب ما ذكروه ولا يرد إيراد آخر نعم ما ذكروه من الاختلاف باختلاف القرائن والأحوال إنما يتوجه إذا كان مراد من قال بتعيين الأقل أن المناط في جميع المتواترات هو ذلك لأن ذلك العدد يفيد العلم البتة أما لو قيل إن أقل عدد يفيد العلم ذلك ولا يلزم أن ذلك العدد يفيد العلم دائما بل ربّما احتيج في بعض الوقائع إلى عدد أكثر فلا يتوجه ما ذكروه ولا يبعد أن يقال إن الظاهر من كلام الإمام على ما نقلنا هو الأول وحينئذ يظهر توجيه لما ذكره الشارح من أنه قد لا يفيد فيعلم كذب واحد من غير حاجة إلى نقل كلام القاضي وذلك لأنه على هذا إذا كان مذهبه أن قول الخمسة يفيد العلم البتة ففي صورة لا بدّ من بيان عذر فلذا تمسّك بأن المفيد للعلم هو قول الخمسة الصّادقين فإذا لم يفد قول الخمسة العلم علم أن واحدا منهم لا أقل كاذب فاحتيج إلى التزكية عسى أن يعلم عدالة الأربعة ويحكم بشهادتهم هذا وعلى هذا فحكمهم بأن أقلّ عدد التواتر كذا على ما ذكره الشارح وقع في كلام غيره أيضا كالعلامة الحلي رحمه الله مع أنهم ليس له عدد خاص باعتبار أنه قد يتحقق ظاهر في أكثر منه وإن كان عند التحقيق المفيد في الأكثر أيضا هو ذلك الأقل فتأمل الثالث قال في المستصفي قطع القاضي بأن قول الأربعة قاصر عن العدد الكامل لأنها بينة شرعية يجوز بالإجماع للقاضي فيها الغرض على المزكين لتحصيل غلبة الظن وبطلت غلبة الظن فيما علم ضرورة وما ذكره صحيح إذا لم يكن قرينة فإنا لا نصادف أنفسنا مضطرين إلى خبر الأربعة أما إذا فرضت قرائن مع ذلك فلا يستحيل حصول التصديق لكن لا يكون حاصلا عن مجرد الخبر بل عن القرائن مع الخبر والقاضي يحيل ذلك مع القرائن أيضا الرّابع قال في المستصفي أيضا قال القاضي علمت بالإجماع أن الأربعة ناقص أما الخمسة فأتوقف فيها لأنه لم يقم فيه دليل الإجماع وهذا ضعيف لأنا نعلم بالتجربة ذلك فكم من أخبار نسمعها من خمسة وستة ولا يحصل لنا العلم فهو أيضا لا شكّ فيه الخامس قال في المستصفي أيضا إذا قدرنا انتفاء القرائن فأقل عدد يحصل به العلم الضروري معلوم للَّه سبحانه وليس معلوما لنا ولا سبيل لنا إلى معرفته فإنا لا ندري متى حصل علمنا بوجود مكة وبوجود الشافعي ووجود الأنبياء عند تواتر الخبر إلينا وأنه كان بعد خبر المائة أو المائتين ويعسر علينا تجزئة ذلك وإن تكلَّفنا فسبيل التكلَّف أن نراقب أنفسنا إذا قتل رجل في السّوق مثلا وانصرف جماعة عن موضع القتل ودخلوا علينا يخبرون عن قتله فإن قول الأول يحرك الظن وقول الثاني والثالث يؤكده ولا يزال تأكيده إلى أن يصير ضروريا لا يمكننا أن يشكك فيه أنفسنا فلو تصور الوقوف على اللَّحظة عسر أيضا فإنه يتزايد قوة الاعتقاد تزايدا خفي التدريج نحو تزايد عقل الصّبي المميز إلى أن يبلغ حد التكليف ونحو تزايد ضوء الصّبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال ولهذا بقي هذا في غطاء من الإشكال ويعذر على قوة البشر إدراكه فأما ما ذهب إليه قوم من التخصيص بالأربعين أخذا من الجمعة وقوم إلى التخصيص بالسبعين أخذا من قوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا وقوم إلى التخصيص بعدد أهل بدر فكل ذلك تحكمات فاسدة باردة لا تناسب الفرض ولا تدل عليه ويكفي تعارض أقوالهم دليلا على فسادها فإذن لا سبيل لنا إلى حصر عدده لكنا بالعلم الضروري نستدل على أن العدد الذي هو كامل عند الله تعالى قد توافقوا على الأخبار فإن قيل فكيف علمتم حصول العلم بالتواتر وأنتم لا تعلمون أقل عدده قلنا كما نعلم أن الخبز يشبع والماء يروي والخمر يسكر وإن كنا لا نعلم أقل مقدار منه ونعلم أن القرائن تفيد العلم وإن لم نقدر على حصر أجناسها وضبط أقل درجاتها السادس قال في المستصفي أيضا العدد الكامل إذا أخبروا ولم يحصل العلم بصدقهم فيجب القطع بكذبهم لأنه لا يشترط في حصول العلم إلا شرطان أحدهما كمال العدد والثاني أن يخبروا عن يقين ومشاهدة فإذا كان العدد كاملا كان امتناع العلم لفوات الشرط الثاني فيعلم أنهم بجملتهم كذبوا أو كذب بعضهم في قوله إني شاهدت ذلك بل بناؤه على توهم وظن أو كذب متعمدا لأنهم لو صدقوا وقد كمل عددهم حصل العلم ضرورة وهذا أحد الأدلة على أن الأربعة ليسوا عدد التواتر إذ القاضي إذا لم يحصل له العلم بصدقهم جاز له القضاء بغلبة الظن بالإجماع ولو تم عددهم لكان انتفاء العلم بصدقهم دليلا قاطعا على كذب جميعهم أو كذب واحد منهم ولقطعنا بأن فيهم كاذبا أو متوهما إذ لا يقبل شهادة أربعة نعلم أن فيهم كاذبا أو متوهما فإن قيل فإن لم يحصل العلم بقولهم وقد كثروا