السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

438

مفاتيح الأصول

كثرة يستحيل بحكم العادة توافقهم على الكذب عن اتفاق ويستحيل دخولهم تحت ضبط وتساعدهم على الكذب بحيث ينكتم ذلك على جميعهم ولا يتحدث به واحد منهم فعلى ما ذا يحمل كذبهم وكيف يتصور ذلك قلنا إنما يمكن ذلك بأن يكونوا منقسمين إلى كاذبين وصادقين أما الصّادقون فعددهم ناقص عن المبلغ الذي يستقل بإفادة العلم وأما الكاذبون فيحتمل منهم التواطؤ عليهم مع الانكتام فلا يستحيل الانكتام في الحال إلى أن يتحدث به في ثاني الحال ونقل الشيعة نصّ الإمامة مع كثرتهم إنما لم يفد العلم لأنهم لم يخبروا عن المشاهدة والسماع بل سمعوا عن سلف وهم صادقون لكن السّلف الواضعين لهذا الكذب يكون عددهم كامل لا يحتمل ناقصا عن مبلغ يستحيل عليهم التواطؤ مع الانكتام وربما ظن الخلف أن عددهم كامل لا يحتمل التواطي فيخطئون في الظن فيقطعون بالحكم ويكون هذا منشأ غلطهم انتهى السّابع قال في النهاية البحث السابع في عدم وجوب اتحاد الأعداد قال أبو الحسين والقاضي أبو بكر كلّ عدد وقع العلم بخبره في واقعة لشخص لا بد وأن يكون مفيدا للعلم بغير تلك الواقعة لغير ذلك الشخص إذا سمعه وهذا إنما يصحّ على إطلاقه لو كان العلم قد حصل بالقرائن العائدة إلى إخبار المخبرين وأحوالهم واختلاف السامعين في قوة السّماع للخبر والفهم لمدلوله ومع فرض التساوي في القرائن قد تفيد آحادها الظن ويحصل من اجتماعها العلم فأمكن حصول العلم بمثل ذلك العدد لبعض الأشخاص حصوله لشخص آخر لتفاوتها في الفهم للقرائن وتفاوت الأشخاص في الإدراك والذّكاء معلوم بالضرورة انتهى الثّامن قال في النهاية اتفقت الأشاعرة والمعتزلة وجميع الفقهاء على أن خبر المتواتر لا يولد العلم وقال بعض الناس إنه يولده بوجهين الأول لو أفاد تولَّدا فإما أن يتولَّد عن الآخر خاصّة أو عنه وعن جملة الأخبار السابقة عليه والأول محال وإلا لتولد بتقدير إيراده وكذا الثاني لأنها متعددة والسبب الواحد لا يصدر عن شيئين واعترض بجواز تولده عن الآخر بشرط تقدم ما وصدق الأخبار أو عن الهيئة الاجتماعية نعم لو قيل إن جملة الأخبار معدومة بلا ولد كان متجها وفيه نظر لأنه وإن كان كل جزءيه معدوما لكن حصل منه في النفس هيئة قابلة للزيادة وتلك الهيئة ثابتة في النفس وحصل منه العلم عند اجتماع تلك الهيئات النفسانية وليست معدومة الثاني قالوا كل ما هو طالب جهة من الجهات فإنه يجوز أن يتولد منه شيء في غير محلَّه والقول والخبر ليس له جهة فلا يتولَّد عنه العلم لأنه لا يولد عنه لتولَّده في غير محله وهو محال وللأشاعرة دليل آخر وهو امتناع موجد غير اللَّه تعالى وقد أبطلناه في كتبنا الكلامية انتهى وقد صرّح بجميع ما ذكره في الإحكام أيضا التاسع حكى في النهاية وغاية البادي والمستصفي عن قوم أنهم شرطوا في التواتر أن لا يحوز المخبرين بلد وأن لا يحصيهم عدد ثم صرّحوا بضعفه كما صرّح به في التهذيب وهو المعتمد ولهم ما ذكره في النهاية فقال شرط قوم في أقل التواتر أن لا يحوزهم بلد ولا يحصرهم عدد وهو غلط فإن أهل الجامع لو أخبروا بسقوط المؤذن من المنارة فيما بين الخلق أفاد العلم انتهى وفي المستصفى احتج بأمور كثيرة كلها يشبه ما ذكره فقال شرط قوم في عدد التواتر أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد وهو لأن الحجيج بأجمعهم لو أخبروا عن واقعة صدتهم عن الحج ومنعهم من عرفات وهم محصورون وأهل الجامع إذا أخبروا عن نائبة في الجمعة منعت الناس عن الصّلاة صدقهم مع أنهم يحويهم مسجد فضلا عن وكذلك أهل المدينة إذا أخبروا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بشيء حصل العلم وقد حواهم بلد العاشر قال في النهاية وغاية البادي شرط اليهود أن لا يكونوا على دين واحد ثم ضعّفاه كما في التهذيب وقال الأول هو غلط فإن التهمة إن حصلت لم يحصل العلم الجدير واختلف وإن لم يحصل العلم كيف كانت أديانهم انتهى والحق ما ذكروه من أن ذلك غير شرط الحادي عشر قال في غاية البادي اعتبر آخرون اختلاف أنسابهم وأديانهم ليؤمن تواطؤهم على الكذب ثم صرّح بضعفه كما في التهذيب وكذلك صرّح في النهاية والمستصفي ففي الأول شرط قوم أن لا يكونوا من نسب واحد ولا من بلد واحد وهو باطل لما تقدم وفي الثاني شرط قوم أن يختلف أنسابهم فلا يكونوا ابني أب واحد ويختلف أوطانهم فلا يكونوا في محلة واحدة ويختلف أديانهم فلا يكونوا من مذهب واحد وهذا فاسد لأن كونهم من محلَّة واحدة ونسب واحد لا يؤثر في إمكان تواطؤهم والكثرة إلى كمال العدد تدفع هذا الإمكان وإن لم يكن كثرة أمكن تواطؤهم من بني الأعمام كما لا يمكن من الإخوة ومن أهل بلد كما يمكن من أهل محلة وكيف يعتبر اختلاف الدين ونحن نعلم صدق المسلمين إذا أخبروا عن قتلة وفتنة وواقعة بل نعلم صدق أهل قسطنطنية إذا أخبروا عن موت قيصر فإن قيل فلنعلم صدق النصارى في نقل التثليث عن عيسى عليه السلام وصدقهم في قتله قلنا لم ينقلوا التثليث توقيفا وسماعا عن عيسى عليه السلام بنص صريح لا يحتمل التّأويل لكن توهّموا ذلك بألفاظ موهومة لم يقفوا على معناها كما توهمت المشبهة التشبيه من آيات وأخبار لم يفهموا معناها والتواتر ينبغي أن يصدر عن مجسّس وأما قتل عيسى عليه السلام فقد صدقوا في أنهم رأوا شخصا يشبه عيسى مقتولا ولكن شبّه لهم فإن قيل فهل يتصور التشبيه في المجسّس فإن تصور فليشك كلّ واحد منا إذا رأى زوجته وولده فلعله شبّه له قلنا إن كان الزمان زمان خرق العادة يجوز التشبيه في المجسّس وذلك زمان إثبات النبوة لا إثبات صدق النبي صلى الله عليه وآله وذلك لا يوجب الشك في غير ذلك الزمان إذ لا خلاف في قدرة اللَّه تعالى على قلب العصا ثعبانا وخرق العادة به لتصديق النبي صلى الله عليه وآله ومع ذلك إذا أخذنا لم نخف من انقلابها ثعبانا ثقة بالعادات في زماننا هذا فإن قيل خرق العادة في زماننا جائز كرامة للأولياء فلعلّ وليا من الأولياء دعا الله بذلك فأجابه فليشكّ لإمكان ذلك قلنا إذا فعل اللَّه ذلك نزع عن قلوبنا العلم الضروري الحاصل بالعادات فإذا وجدنا من أنفسنا علما ضروريا بأنه لم ينقلب العصا ثعبانا ولا الجبل ذهبا ولا الحصى في الحال جواهر ويواقيت قطعنا بأن اللَّه تعالى لم يخرق العادة