السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
436
مفاتيح الأصول
الإشكال وتعذره على قوّة البشر إدراكه فأما ما ذهب إليه جماعة من التخصيص بعدد مخصوص كالأربعين والسّبعين وعدة أهل بدر فحكايات فاسدة نادرة لا تناسب الغرض ويكفي تعارض أقوالهم دليلا على فسادها لأنه لا سبيل لنا إلى حصر عدده لكنا بالعلم الضّروري نستدل على أن العدد الَّذي هو كامل عند اللَّه تعالى قد توافقوا على الإخبار فإن قيل علمت حصول العلم بالتواتر وأنتم لا تعلمون أقل عدده قلنا كما نعلم أن الخبز يشبع والماء يروي والخمر يسكر وإن كنا لا نعلم أقل مقداره ونعلم أن القرائن تفيد العلم وإن لم نقدر على حصر احتياجها وضبط أقل درجاتها انتهى الثاني اعلم أن القائلين بالقول الثاني اختلفوا في تعيين أقل ما يحصل به التواتر وضبطه على أقوال أحدها ما نقله في المعارج والنهاية والتهذيب والمبادي وغاية البادي والمنية وشرح البداية وشرح المختصر والإحكام من أنه اثنا عشر وصرّح في النهاية والمبادي وشرح البداية بأنه مذهب قوم وحجتهم على ما في المنية من قوله تعالى وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا قال في النهاية والمنية وغاية البادي والإحكام وإنما خصّهم بذلك العدد لحصول العلم بخبرهم وثانيها ما حكاه في النهاية والتهذيب والمبادي والمنية عن أبي هذيل العلاف من أنّه عشرون وحكاه في شرح البداية عن قوم وحجتهم على ما صرّح به في النهاية والتهذيب والمنية وغاية البادي وغاية المأمول وشرح البداية والأحكام قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون الآية قال في النهاية والمنية وغاية البادي وشرح المختصر إنما خصهم بالجهاد لأنهم إذا أخبروا حصل العلم بصدقهم وثالثها ما حكاه في النهاية والتهذيب والمعارج وشرح البداية والمستصفي عن قوم من أنه سبعين وحجتهم على ما صرّح به في النهاية والتهذيب والمنية وغاية البادي وشرح البداية والإحكام وشرح المختصر والمستصفي قوله تعالى واختار موسى سبعين رجلا إلى آخره قال فيما عدا التهذيب والأخير وإنما كان ذلك لتحصيل اليقين بإخبارهم بما يشاهدون من المعجزات ورابعها ما حكاه في التهذيب والمعارج والمستصفي عن قوم من أنه أربعين وحجتهم على ما في النهاية والتهذيب والمنية وغاية البادي قوله تعالى يا أيّها النبي حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين وفي الإحكام والمستصفي وشرح المختصر أخذ من عدد الجمعة وفي غاية المأمول قيل لا بد من الأربعين لأن الشارع لم يتعبد جماعة في حكم إلا الأربعين في جمعة والأربعة في شهادة الزنا ولكن الأربعة يتواتر اتفاقا فتعين الأربعين وخامسها ما حكاه في المعارج والتهذيب والنهاية وشرح المبادي والبداية والمستصفي عن قوم من أنه ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أهل بدر وحجتهم ما ذكره في النهاية والمنية وغاية البادي والإحكام فقالوا وإنما خصّهم بذلك ليحصل للمشركين العلم بخبرهم وسادسها ما ذكره في النهاية وغاية المأمول فقالا وقيل يعتبر بلوغه عدد بيعة الرّضوان وزاد فقال وفسّر بألف وسبعمائة انتهى وقد صرّح في جملة من الكتب بضعف الأقوال المذكورة ففي المعارج واعلم أن الكلّ تحكم لا معنى له وفي المبادي والكل ضعيف وفي المنية وهذه الأقوال كلها باطلة لأن كل واحد من هذه الأعداد قد يحصل منه العلم وقد يتخلف عنه فلا يكون ضابطا وفي شرح البداية ولا يخفى ما في هذه الاختلافات من فنون الخرافات وأيّ ارتباط لهذا العدد بالمراد وما الذي أخرجه عن نظائره مما ذكر في القرآن من ضروب الأعداد وفي الزبدة حصر أقلهم في عدد مجازفة وفي غاية البادي وكلّ هذه التعيينات تكلَّفات باردة انتهى ولكن في التعليقات الجمالية قال بعض الفضلاء أقول يحتمل أن يكون مراد من قال بتعيين عدد الأقل بأن عدد التواتر وإن كان مختلفا في الوقوع بحسب اختلاف الوقائع والمخبرين وغيرها لكن أحد تلك الأعداد عدد ليس في هذه الوقائع أقل منه ولا يمكن أقلّ منه فقال بعضهم إنما هو الخمسة قال البعض بتعيين عدد آخر لا بمعنى أن المعتبر في كلّ واقعة هو الخمسة حتى تكون إفادة العلم من حيث حصول الخمسة مثلا في المخبرين وإن كان عددهم أكثر من الخمسة بل سلم أن الأعداد المفيدة في الوقائع مختلفة ففي بعض الوقائع لا يفيد الخمس بل لا بدّ من أكثر منه لكن بين تلك الأعداد المختلفة المفيدة بحسب الوقائع لا أقل من الخمسة مثلا ولا يخفى أنه حينئذ لا يضره اختلاف الأعداد بحسب الوقائع وكذا لا يضرّه عدم العلم سابقا ولاحقا كما استدلّ به المصنف على مختاره بل بقول لا يمكن إنكار أنه يتحقق بين هذه الأعداد المختلفة عدد لا أقل منه إذ لا شكّ أنّها في طرف القلة متناه فلا محالة ينتهي إلى عدد لا أقل منه فمختار المصنف أنه غير منحصر في عدد أي أقل عدد التواتر غير منحصر على ما هو الظاهر من العبارة بقرينة المقابلة لا أن المتواتر غير منحصر مكابرة صريحة ودلائله لا تفيده كما عرفت اللهمّ إلا أن يقال مراد المصنف نفي العلم بهذا العدد بخصوصه مع الاعتراف بتحققه ولا يخفى أنه مع عدم ملائمة العبارة له لا ينطبق دليله عليه وهو عدم حصول العلم به في المتواترات سابقا ولاحقا وذلك لأن من قال بوجود الأوّل على ما قررنا لم يجعله شرطا حتى يلزم العلم به سابقا أو لاحقا بل ذكر حكما من أحكام المتواتر أنه أقل عدد أفراده فتدبر والظاهر أن المصنف والشارح حملا مذهب من قال بتعيين الأقلّ على اشتراط هذا العدد واعتباره بمعنى أن المعتبر المفيد في كلّ واقعة هو الخمسة مثلا وإن كان عدد المخبرين أكثر وحينئذ يكون مختارهما موجّها ودليلهما منطبقا على مختارهما لكن لا يخفى أنه على هذا لا يبطل إلا ما حملوا مذهب الخصم عليه وله احتمال آخر كما عرفت فتدبر انتهى وأنت خبير بأن كون النزاع هاهنا في أنه هل يشترط عدد معيّن أم لا مما هو مصرّح به في كلامهم قال العلامة في النهاية المطلب الثاني في أمور ظن أنها شروط الأول العدد ظن قوم أن لحصول العلم عقيب الخبر المتواتر