السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

429

مفاتيح الأصول

الماضية مثل كسرى وقيصر والفضلاء المشاهير كأفلاطون وأرسطو أولا إنكار العلم بذلك لا يقصر عن العلم بالمشاهدة ولا طريق لنا بذلك والمنكر لذلك كالمنكر للمشاهدات فلا يستحق الكلام وفي المعالم لا ريب في إمكانه ووقوعه ولا عبرة بما يحكى من خلاف بعض ذي الملل الفاسدة في ذلك فإنه بهت ومكابرة لأنا نجد العلم بالمحسوسات لا فرق بينهما يعود إلى الجزم وما ذلك إلا بالإخبار قطعا وفي غاية المأمول لنا أنا نجزم بوجود البلدان النائية والأمم الخالية جزما مساويا لجزمنا بالمشاهدات والمنكر لذلك مكابر وفي زواهر الحكم لا شك أن العلم الحاصل بالتواتر علم جزم ويقين لا يقبل الشك ولا يتطرق إليه الشبهة إذا لم يكن في أطرافه ولا أوساطه سبيل لتجويز الكذب فقد بقي الصدق ضرورة كعلمنا بالملوك الماضية والقرون السالفة والبلاد البعيدة وغير ذلك من الأسباب التي ليست بشهيدة وفي الإحكام دليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد النائية والأمم الماضية والقرون الخالية والملوك والأنبياء والأئمة والمشاهير والوقائع الجارية بين السّلف الماضين بما يرد علينا من الأخبار حسب وجداننا العلم بالحسيات عند إدراكنا لها بالحواس ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته وظهر خبوثه أو مجاحدته وفي المستصفي للغزالي أما إثبات كون المتواتر مفيدا للعلم فهو ظاهر خلافا للسمنية حيث حصروا العلوم في الحواس وأنكروا هذا وحصرهم باطل وإنا بالضرورة نعلم استحالة كون الألف أقل من الواحد واستحالة كون الشيء قديما وأمور أخر ذكرناها في مدارك اليقين سوى الحواس بل نقول حصرهم العلوم في الحواس معلوم وليس ذلك مدركا بالحواس الخمس ثم لا يستريب عاقل أن في الدنيا بلدة تسمّى بغداد وإن لم ندخلها ولا شك في وجود الأنبياء ولا في وجود الشافعي وأبي حنيفة بل في الأول والوقائع الكثيرة فإن قيل لو كان هذا معلوما ضرورة لما خالفناكم قلنا من يخالف في هذا فإنما يخالف بلسانه أو عن خبط في عقله أو عناد ولا يصدر هذا من عدد كثير يستحيل في العادة عنادهم ولو تركنا ما علمنا ضرورة بقولكم للزمكم ترك الحسيات ليست خلاف السّوفسطائية وفي شرح المختصر للعضدي قول السمنية بهت فإنا نجد من أنفسنا العلم الضروري بالبلاد النائية كمكة ومصر والأمم الخالية كالصّحابة والأنبياء والخلفاء كما نجد العلم بالمحسوسات لا فرق بينهم فيما يعود إلى الجزم وما ذلك إلا بالأخبار قطعا وقريب من ذلك في شمع اليقين وسرماية الإيمان وفي التهذيب إنكار السمنية إفادة التواتر العلم ضروري البطلان وفي المعارج وما يورده السمنية من الشبه فهو تشكيك على الضروريات فلا يستحق الجواب وفي الزبدة شبهة السّمنية واهية وللقول الثاني وجوه منها ما أشار إليه جماعة من أنه يجوز الكذب على كلّ واحد من المخبرين فيجوز على الجملة إذ لا ينافي كذب واحد كذب الآخرين ولأن المجموع مركَّب من الآحاد بل هو نفسها وإذا فرض كذب كل واحد فقد كذب الجميع ومع وجوده لا يحصل العلم وأجاب عنه في النهاية والتهذيب والمنية والمعالم وغاية المأمول والإحكام وشرح المختصر والمواقف وشرحه بأن تجويز الكذب على كل واحد لا يستلزمه على الجميع وبأنه قد يخالف حكم الجملة حكم الآحاد فإن الواحد جزء العشرة وهو بخلافها والعسكر متألف من الأشخاص وهو يغلب ويفتح البلاد دون كل شخص على انفراده وزاد في المنية فقال ولا يلزم انقلاب الجائز ممتنعا إذ المحكوم عليه بجواز الكذب خبر الواحد حال انفراده وبعدمه خبر المجموع وأحدهما غير الآخر وأيضا فإنا غرضنا بما أفاد العلم فما لا يكون مفيدا للعلم لا يكون متواترا ومنها ما ذكره جماعة من أنه يلزم تصديق اليهود والنّصارى فيما نقلوه عن موسى وعيسى من تصريحهما بنفي النّبوة بعدهما وقولهما لا نبي بعدي وهو ينافي نبوة محمد صلى الله عليه وآله فيكون باطلا وأجاب عنه في النّهاية والمعالم وغاية المأمول وشرح المختصر بأن نقل اليهود والنصارى لم يحصل بشرائط التواتر فلذلك لم يحصل العلم وزاد في النهاية فقال تواتر اليهود انقطع في قصة بخت النّصر والنصارى لا تواتر لهم في المبدإ لقلَّتهم جدّا وفي الأحكام إنما يصح أن لو قلنا إن العلم يحصل من خبر كل جماعة وإن خبر كلّ جماعة تواتر وليس كذلك وإنما دعوانا أن العلم لا يحصل من خبر الجماعة ولا يلزم أن يكون خبر كلّ جماعة محصّلا للعلم ومنها ما ذكره جماعة من أنه كاجتماع الخلق الكثير على أمر وأنه ممتنع عادة لاختلافهم في الأمزجة والأخلاق والآراء والأغراض وقصد الصدق والكذب فكما لا يتصور اتفاق الخلق على أكل طعام واحد معيّن واتفاق أهل بلد على محبّة الخير والشر كذا لا يتصور اتفاقهم على الصّدق وأجاب عنه في المعالم وغاية المأمول وشرح المختصر بأنه قد علم وقوعه والفرق بينه وبين الاجتماع على الأكل وجود الدّاعي في المتواتر بخلاف أكل الطعام الواحد وبالجملة فوجود العادة هنا وعدمها هناك ظاهر ومنها ما ذكره جماعة من أن حصول العلم به يفضي إلى تناقض المعلومين إذا أخبر جمع كثير بالشيء وجمع كثير بنقيضه وذلك محال وأجاب عنه في النهاية والمعالم والإحكام وشرح المختصر بأن تواتر النقيضين محال عادة وفي غاية المأمول التواتر ثانيا بنقيض ما تواتر أولا محال ففرضه فرض أمر محال والمحال قد يستلزم محالا ومنها ما ذكره جماعة من أنه لو أفاد العلم الضروري لما فرقنا بين ما يحصل منه كما مثلتم به وبين العلم بالضروريات واللازم باطل لأنا إذا عرضنا إلى أنفسنا وجود الإسكندر مثلا وقولنا الواحد نصف الاثنين فرقنا بينهما ووجدنا الثاني أقوى بالضرورة وأجاب عنه في النهاية والمعالم وغاية المأمول بأن الفرق الذي نجده بين العلمين إنما هو باعتبار كون كلّ واحد منهما نوعا من الضروري ويختلف النوعان بالسّرعة وعدمها لكثرة استئناس العقل بأحدهما دون الآخر وفي الإحكام