السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
419
مفاتيح الأصول
عن معصية أخرى مثلها قهرا وإلجاء وإلا لم يكن التوبة عنها توبة حقيقة كما لا يخفى لا يقال إذا اتحد الفعلان أو التركان في الباعث والسبب لزم من إيجاد أحد المشتركين إيجاد الآخر لا على وجه القهر والاضطرار بل لأجل أنه إذا لم يوجد الآخر لكان مرتكبا للقبيح وملاما عند العقلاء لأنا نقول ذلك ممنوع سلمناه ولكن بهذا القدر لا يمكن دعوى أن التوبة عن بعض المعاصي يتوقف على التوبة عن الباقي كما لا يخفى سلمنا أن اتحاد الفعلين أو التركين في الباعث على الإيجاد يقتضي إيجاد المتشاركين على حد واحد ولكن نقول قد لا يوجد أحدهما باعتبار وجود مانع من ظهور أثر الداعي فيه فيمكن أن يكون التائب عن الزّنا لقبحه تاركا للتوبة عن شرب الخمر الذي هو قبيح مثله لمانع خارجي ومن جملة الموانع الالتفات إلى قبح الأول دون الثاني ومن جملتها أيضا اختلاف مراتب ونحو ذلك ومع ذلك فلا يصح أن يقال التوبة عن بعض المعاصي يتوقف على التوبة على الباقي على أنه لو توقف على ذلك للزم التكليف بما لا يطاق أو الحرج الشديد خصوصا بالنسبة إلى جديد الإسلام وأكثر العوام فتأمل وحيث لم يثبت توقف التوبة عن بعض المعاصي على التوبة عن الباقي لا لغة ولا شرعا ولا عقلا كان اللازم الحكم بثبوت الأحكام والفوائد الشرعية المترتبة على ماهيّة التوبة في الكتاب والسّنة بجميع أفرادها فينبغي أن يكون التائب عن معصية مغفورا وإن كان متشاغلا بمعصية أخرى اللهمّ إلا أن يدعى انصراف جميع الإطلاقات الواردة في الكتاب والسنة في بيان أحكام التوبة وما يترتب عليها إلى التائب من جميع الذّنوب لكونه الفرد المتبادر منها ولكن هذه الدعوى على وجه الكلية في غاية الإشكال نعم هي غير بعيد بالنسبة إلى بعض الموارد فتأمل السّادس اعلم أن المعاصي تنقسم إلى أقسام ولذلك يختلف كيفية التوبة منها ما لا يوجب حقّا لله تعالى ولا للناس ولا حدا من حدود اللَّه تعالى وما يكون مجرد فعل قبيح كالكذب والغناء والحسد والنميمة ونحو ذلك وقد صرّح في جملة من الكتب بأنه يكفي في التوبة عن هذا القسم من المعصية مجرد الندم والعزم على أن لا يعود ففي التحرير إن كانت عن معصية لا يوجب عليه حقا كشرب خمر وكذب وزنا فالتوبة بالندم والعزم على أن لا يعود وقيل لا يشترط الثاني وفي نهج المسترشدين وإن كان عن فعل اختص به كشرب الخمر كفي الندم والعزم المتقدمان وفي شرحه إرشاد الطالبين وإن كان في حق الله تعالى فإما أن يكون على فعل قبيح كشرب الخمر مثلا فيكفي الندم والعزم المتقدمان وفي شرح الباب الحادي عشر المسمى بالنافع أن الذنب إما في حقه تعالى أو في حق آدميّ فإن كان في حقه تعالى فإما من فعل قبيح فيكفي فيه الندم والعزم على عدم المعاودة وفي شرحه الآخر المسمى بالمفتاح اعلم أن المعصية إن كانت في حق اللَّه تعالى من فعل قبيح يكفي في براءة الذمة عنها بالتوبة حصول مفهومها كشرب الخمر وفي الأربعين الذّنب إن لم يستتبع أمرا آخر يلزم الإتيان به شرعا كلبس الحرير مثلا كفي الندم عليه والعزم على عدم العود إليه ولا يجب شيء آخر سوى ذلك وفي التجريد والذنب إن كان في حقه تعالى من فعل قبيح كفي فيه الندم والعزم وفي حق اليقين قال أكثر المتكلمين والفقهاء من الإمامية إن المعصية إذا لم يتبع أمرا آخر يجب الإتيان به كلبس الحرير للرجال يكفي في التّوبة عنها مجرد الندامة والعزم على عدم العود إليها انتهى ويظهر من المحكي في السرائر عن المبسوط أنه يجب في التوبة عن المفروض زيادة عن الأمرين الاستغفار فإنه قال قال شيخنا أبو جعفر في السادس من المبسوط في كتاب الشهادات وهذا محصول قوله التوبة على ضربين باطنية وحكمية والباطنة إما أن يتعلق بها حق لأحد فالتوبة النّدم والاستغفار والعزم على ترك العود فحسب انتهى وهو أحوط وإن كان ما عليه الأولون في غاية القوة ومنها ما يوجب حقا ماليا ويكون ترك واجب كمنع الزكاة وقد صرّح في جملة من الكتب بأن التوبة من هذا القسم من المعصية لا تتحقق إلا بإيصال المال إلى المستحق ففي السرائر وإن تعلق بها حق أولا فإن لم يتعلق بها حق فإن الحق بالمال فيضاف إلى ما تقدم مما عليه من المال بحسب الإمكان وكذلك إن كان عليه زكاة وفي التحرير وإن أوجب حقا لله تعالى أو لآدمي كمنع الزكاة وغصب المال فالتوبة عنه بما تقدم وأداء الحق أو مثله أو قيمته مع العجز فإن عجز عن ذلك نوى ردّه متى قدر عليه وفي نهج المسترشدين وإن كانت عن ترك واجب كالزكاة لا تتحقق إلا بفعله وفي شرحه إرشاد الطالبين وإن كان عن ترك واجب إمّا أن يكون وقته باقيا فالتوبة منه فعله كالزكاة والحج وإن خرج وقته فإما أن يجب قضاؤه كالصّلاة اليومية فالتوبة الاشتغال بالقضاء أو لا يجب كصلاة العيدين فالتوبة الندم المتقدم وفي النافع الذي هو شرح الباب الحادي عشر أو من إخلال بواجب فإما أن يكون الوقت باقيا فيأتي به وذلك هو التوبة منه أو خرج وقته فإما أن يكون يسقط بخروج وقته كصلاة العيد فيكفي الندم والعزم على المعاودة أو لا يسقط فيجب قضاؤه وفي الشّرح الآخر المسمّى بالمفتاح وإن كانت في حقه تعالى من الإخلال بواجب فإن أمكن تداركها شرعا بأداء أو قضاء فلا بد منه أيضا كترك أداء الزكاة والصّلاة والصوم وإلا فيكفي حصول مفهومها كترك صلاة العيدين وفي الأربعين للشيخ البهائي رحمه الله الذّنب إن استتبع أمرا آخر من حقوق اللَّه أو حقوق الناس ماليا أو غير مالي وجب مع التوبة الإتيان به وربّما كان المكلَّف مخبرا بين الإتيان بذلك الأمر وبين الاكتفاء بالتوبة من الذنب المستتبع له فحقوق الله المالية كالعتق في الكفارة مثلا يجب الإتيان بها مع القدرة وغير المالية إن كان غير حد كقضاء الفوائت وصوم الكفارة فكذلك وإن كان حدّا فالمكلَّف مخير إن شاء أقر بالذنب عند