السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

399

مفاتيح الأصول

التوقف هنا أيضا وعدم الرّجوع إلى المرجحات المذكورة ويظهر من الشرائع لزوم تقديم الجارح هنا أيضا وبالجملة المستفاد من إطلاق أكثر عبارات فقهائنا عدم لزوم الرجوع إلى المرجحات المذكورة بل يستفاد منها أن ذلك مما لا خلاف فيه لأنهم لم يشيروا إلى قول بذلك ومن الظاهر أن إطلاق هؤلاء إنما ينصرف إلى صورة وقوع التعارض في حق الشهود لا الرّواة كما لا يخفى ولكن قد يناقش في الاستفادة المذكورة بأن المستفاد من كلمات الفقهاء والأصوليين في هذه المسألة أن التعارض المفروض له حكم واحد بالنسبة إلى الشاهد والرّاوي وغيرهما ومما ينبه على ذلك أن أحدا منهم لم ينبه على اختلاف الشاهد والراوي في حكم التعارض المذكور ولا على وجود قوله به هذا ويستفاد من المعارج الذي هو من الكتب الأصولية لزوم تقديم الجارح هنا أيضا وصرّح في مجمع الفائدة بلزوم الرّجوع إلى المرجحات المذكورة فإنه قال وأما وجوه الترجيح ونفي التعارض منها ما رجحوا به الجارح للجمع إلى أن قال ومنها كثرة العدد فيرجح الأكثر على الأقل ومنها الأعدل والأورع كما دل عليه الرواية في القاضي ويحتمل الأعلم انتهى وفي جميع ما ذكر نظر وكيف كان فالذي يقتضيه التحقيق هنا أن يقال إن غاية ما يستفاد من المرجحات المذكورة هو قوة الظن بصدق من كانت هي معه معدلا كان أو جارحا وقد يطالب بدليل حجية هذا الظن في هذا المقام خصوصا مع أنّ مقتضى الأصل عدم حجيّته فيه لكونه من الموضوعات الصّرفة التي لا يعتبر فيها الظن ولا يناط به غالبا ومن الظاهر أن شيئا من الأدّلة الأربعة لا يقتضي هنا الرجوع إلى المرجحات المذكورة أما الكتاب فواضح بل مقتضى العمومات الواردة فيه الدالة على عدم جواز العمل بالظن عدم صحة الرّجوع إلى المرجحات المذكورة هنا كما لا يخفى لا يقال لا نسلم عدم دلالة الكتاب على ذلك بل فيه ما يدل عليه وهو قوله تعالى هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون الدال على أصالة عدم المساواة بين العالم والجاهل المقتضية لترجيح شهادة العالم معدّلا كان أو جارحا على شهادة معارضه الَّذي ليس بعالم إذ لو لم يرجح للزم مساواتهما إذ لا قائل بترجيح الجاهل مع أنه قبيح واللازم باطل لما ذكر وهذا الوجه وإن اختص ببعض المرجحات ولكن يلحق الباقي به بظهور عدم القائل بالفصل بينها لأنا نقول ما ذكر غير وجيه أما أولا فللمنع من انصراف عموم الآية الشريفة إلى محل البحث وأما ثانيا فلمعارضته بالعمومات المانعة من العمل بغير العلم تعارض العمومين من وجه كما لا يخفى وهذه العمومات أرجح لكثرتها وقوة دلالتها واعتضادها بالعقل سلمنا ولكن لا أقل من التساوي فيلزم التوقف وهو مانع من التمسّك بعموم نفي المساواة كما لا يخفى فتأمل وأما السّنة فلأنا لم نجد رواية معتبرة بل مطلقا يدل على لزوم الترجيح والأخذ بالمرجحات المذكورة هنا بل مقتضى العمومات الواردة فيها الدالة على منع العمل بالظن خلاف ذلك كما لا يخفى وأما ما دل منها على اعتبار شهادة العدلين فلا يفيد الرجوع إلى المرجحات المذكورة لشموله لكل من المتعارضين بنسبة واحدة وكون أحدهما أقوى ظنا لا يقتضي صرف العموم إليه ومنع شموله للآخر وهو في غاية الوضوح لا يقال النبويان المرسلان نحن نحكم بالظاهر والمرء متعبّد بظنه يقتضيان الرجوع إلى المرجحات المذكورة لإفادتها الظن لأنا نقول هذان الخبران ضعيفان سندا من غير جابر لهما فلا يصلحان للحجيّة على أنه قد يناقش في دلالتهما على المدعى فتأمل ولا يقال يدل على لزوم الأخذ بالراجح من المتعارضين خبر يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال سألته عن البيّنة إذا أقيمت على الحق أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة إذا لم يعرفهم من غير مسألة قال فقال خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم الولايات والتناكح والذبائح والمواريث والشهادات فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه لأنا نقول هذه الرواية قاصرة عن إفادة المدعى سندا ودلالة كما لا يخفى فلا يلتفت إليها وأما الإجماع فللمنع عنه لما عرفت من اضطراب كلمات علماء الإسلام مع أن المفتي بالرجوع إلى المرجحات المذكورة من أصحابنا جماعة قليلة لا يتحقق منهم الإجماع في يومنا هذا عادة وأما موافقة جماعة من العامة لهم فغير نافعة جدّا لا يقال نحن لا ندعي الإجماع في خصوص المسألة فإنه مستبعد بل نقول أجمع الأصحاب أو علماء الإسلام على أنه يجب عند تعارض المتعارضين للذين هما حجتان شرعيتان بأنفسهما الرجوع إلى المرجحات المورثة للظن بالترجيح لأنا نقول الإجماع المذكور مسلم فيما إذا تعارض الدليلان في المسائل الفقهية التي يطلب فيها بالقدر الممكن وأما في الموضوعات الصّرفة والأسباب الشرعية التّعبدية التي لا يطلب فيها الواقع ولو مع التمكن من معرفته فلا نسلمه فتدبر وأما العقل فلأنا لم نجد منه برهانا يقتضي الرجوع في محل البحث إلى المرجحات الخارجية لا يقال العمل بالمتعارضين محال عقلا وطرحهما باطل عقلا لأن التعارض إنما أوجب إبطال أحدهما لا هما معا والأخذ بالمرجوح قبيح عقلا فتعين الرّاجح وهو المطلوب لأنا نقول هذا خيال ضعيف في الغاية كما لا يخفى فلا يلتفت إليه لا يقال يقتضي أصالة حجية الظن المستندة إلى القاعدة العقلية لزوم الأخذ بالراجح باعتبار المرجحات المذكورة لأنا نقول لا نسلم الأصل المذكور هنا بل الأصل في أمثال محل البحث عدم حجية الظن نعم الأصل حجية الظن في نفس الأحكام الشرعية لكن من الظاهر أن الظن بالجرح أو التعديل ليس ظنا بنفس الحكم الشرعي ولا مستلزما له كما لا يخفى فإذن الأقرب في محل البحث هو التوقف وجعل من تعارض فيه الجرح والتعديل من قبيل مجهول الحال وعدم الرجوع حينئذ إلى المرجحات سواء كان شاهدا أو إماما أو