السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

398

مفاتيح الأصول

الفلاني مشتغلا في الموضع الفلاني بكذا والثاني بأنه كان في ذلك الوقت أو في غير ذلك مشتغلا عمدا عالما بفسق مانع من العدالة مع تساوي العدد والعدالة وغيرهما من الأسباب المرجحة الآتية فقد توقف بعض كالشيخ والمصنف لتكافؤ الدليلين وترجيح الجارح بأنه مؤسس وهو خير من المؤكد كما قيل ذلك في ترجيح دليل التحريم والكراهة بعيد إذ إثبات الحقوق والحكم الشرعي بمثل هذه النكتة مشكل وكذا بأنه إثبات شيء معدوم أبعد من نفي موجود فيحتمل غفلة المزكي وعدم رؤيته دون اشتباه الجارح لأن الغرض إثبات كلّ منهما معدوما ولأنه قد يعكس مثل أن يقول الجارح ما يصلي ويقول المزكي يصلَّي فتأمل ويمكن ترجيح المزكي كما قاله من ترجيح دليل التحريم والكراهة بأنه موافق للأصل إذ الأصل عدم ذلك الفسق وإن كان ترك عبادة فالظاهر من حال المسلم خلافه فيكون له دليلان المزكي أو الظاهر مع بعد الاطلاع على كونه عمدا عالما فيحتمل العدم فتأمل ويمكن أن يقال الأصل عدم الحكم وثبوت الحق المدعى به إلى أن يثبت عدالة الشهود فيرد الشهود بمعنى أن لا يحكم لا بمعنى أن يحكم بفسق الشهود كما في مجهول الحال لعله المراد بالوقف ولا يبعد الحكم إذا قيل مقبول مجهول الحال لتعارض شاهدي الجرح والتعديل وصارا كأن لم يكونا فصار شهود الأصل مجهول الحال فتأمل الصّورة الثانية أن يقع التعارض بين الجرح والتعديل ويكون كلام كل من الجارح والمعدّل نصّا في مدعاه ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه ولم يكن هناك مرجح لأحدهما على الآخر إلا أن أحدهما أوثق من الآخر إما لعلمه وكثرته أو لورعه وشدته أو لضبطه وقوته أو نحو ذلك فهل يلزم هنا تقديم الجرح مطلقا أو تقديم التعديل كذلك أو الأخذ بكلام من هو أوثق معدلا كان أو جارحا مطلقا فيكون المرجحات السّندية هنا معتبرة كما في تعارض الخبرين أو يلزم الأخذ بكلام من هو أوثق إذا كان التعارض المفروض في الرواة ونقلة الأخبار دون الشهود والأئمة وغيرهم ممن يعتبر عدالته ربما يستفاد هذا الاحتمال من كلمات العلماء وذلك لأنه صرّح في جملة من الكتب الأصولية بلزوم الرجوع بعد التعارض إلى كلام الأوثق وإلى المرجحات المشار إليها ففي النهاية إذا تعارضا فيجب الترجيح بكثرة العدد وشدة الورع والضبط إلى غير ذلك من المرجحات وفي التهذيب إن تعارض قدم الجرح إن أمكن الجمع وإلا فالترجيح إن حصل أو الوقف وفي المنية إن لم يمكن الجمع وجب الترجيح وإن كان أحدهما أتقى وأورع وأشد ضبطا أو اختص بغير ذلك مما يوجب ترجيح خبره عمل على الراجح وألقي المرجوح وإلا وجب الوقف وفي المعالم قال السيّد جمال الدين ابن طاوس إن كان مع أحدهما رجحان يحكم التدبر الصحيح باعتباره فالعمل على الراجح وإلا وجب الوقف وما قاله هو الوجه وفي الزبدة إذا تعارض الجارح والمعدل ولم ينحصر نفيه رجح الجارح ومعه رجح الأكثر الأورع والقول بالإطلاق متجه وفي شرحها لجدي الصالح قدس سره ومعه أي مع انحصار النفي كقول الجارح إنه قتل فلانا في أول الشهر وقول المعدل إني رأيته في آخره حيّا وقد وقع مثله في كتب الجرح والتعديل كثيرا كقول ابن الغضائري في داود الرّقي إنه كان فاسد المذهب لا يلتفت إليه وقول غيره إنه كان ثقة قال فيه الصادق عليه السلام أنزلوه منزلة المقداد من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فهنا لا يصحّ إطلاق تقديم الجرح بل رجح الأكثر عدد الأورع والأضبط والأعلم بأحوال الرواة إلى غير ذلك من الترجيحات المفيدة لغلبة الظن وأما مع التساوي فلا بد من التوقف لاستحالة ترجيح أحد المتساويين على الآخر فالقول بالإطلاق أي بتقديم الأكثر الأورع مطلقا من غير تفصيل مذكور متجه لأن البناء على الظن وهو إنما يحصل من قول من له تلك المرجحات وقد فعله العلامة في الخلاصة في مواضع كما في ترجمة إبراهيم بن سليمان حيث يرجح تعديل الشيخ والنجاشي على جرح ابن الغضائري وكذلك في ترجمة إسماعيل بن مهران وغيره لكن ما قرّره في نهاية الأصول يخالف فعله هذا حيث لم يعتبر الترجيح بزيادة العدد في النوع الأوّل من التعارض معلَّلا بأن سبب تقديم الجارح فيه جواز اطلاعه على ما لم يطلع عليه وهو لا ينتفي بكثرة العدد ولا يخفى أن تعليله هذا يعطي عدم اعتباره في النوع الأخير الترجيح بشيء من الأمور المذكورة وللبحث فيه مجال كما لا يخفى وفي الإحكام وإن تعرض لنفيه بأن قال رأيت فلانا المدعى قبله حيّا بعد ذلك يتعارضان ويصحّ ترجيح أحدهما على الآخر بكثرة العدد وشدة الورع والتحفظ وزيادة البصارة إلى غير ذلك مما يترجّح به إحدى الروايتين على الأخرى وفي المختصر أما عند إثبات معيّن ونفيه بالتعيين فالترجيح وفي شرحه أما إذا عين الجارح السبب ونفاه المعدل بطريق يقيني مثل أن يقول الجارح هو قتل فلانا يوم كذا وقال المعدل هو حي وأنا رأيته بعد ذلك اليوم فيقع بينهما التعارض لعدم إمكان الجمع المذكور وحينئذ يصار إلى الترجيح وفي شرح المنهاج للبدخشي إذا جرحه بقتل إنسان فقال المعدل رأيته فهنا يتساويان ويصار إلى الترجيح بوجه آخر وبأن يقول الجارح كان هذا يشرب ويرمي في اليوم الفلاني وقال المعدل بل كان في ذلك اليوم في أوّله إلى آخره صائما مصلَّيا ثم قال في مقام آخر أما إذا عين الجارح السّبب ونفاه المعدّل بطريق يقيني تعارضا ويصار إلى الترجيح انتهى ومن الظاهر أن إطلاق هذه الكتب المصرّحة بلزوم الرّجوع إلى المرجحات المشار إليها الغير المشيرة إلى خلاف في ذلك ينصرف إلى صورة وقوع التعارض المفروض في حق الرّواة دون الشهود والأئمة وغيرهم ويظهر من إطلاق كثير من الكتب الفقهية كالخلاف والإرشاد والمختلف والدروس والتنقيح والمسالك والكفاية وروض الجنان وغيرها لزوم