السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
397
مفاتيح الأصول
ولم يكن لأحدهما مزية على الآخر لا باعتبار حال المزكي والجارح كأن يكون أحدهما أعدل من الآخر ولا باعتبار كلامهما ودعواهما كأن يكون كلام أحدهما أظهر دلالة من كلام الآخر ولا باعتبار الاعتضاد بأمر خارج وذلك كما إذا قال أحد العدلين المتساويين في صفات الوثوق فلان كان عادلا في تمام اليوم الفلاني وصاحب ملكة خاصة ولم يصدر منه فيه ما يوجب القدح فيها وكان مشغولا فيه من أوله إلى آخره بطاعة الله سبحانه ويقول الآخر رأيته في ذلك اليوم يشرب الخمر أو يزني أو نحو ذلك ولم نعلم باتصاف من وقع في شأنه التعارض قبل وقوعه بفسق أو عدالة وبالجملة الفرض في هذه الصّورة وقوع التعارض مع عدم إمكان الجمع والترجيح باعتبار أمر خارج عن المتعارضين وقد اختلف الفقهاء والأصوليون في ترجيح أحد المتعارضين على الآخر حينئذ وعدمه على قولين الأول أنه لا يوجب الترجيح بل يجب التوقف وهو للخلاف والإرشاد والتهذيب والمختلف والمنية والدروس والتنقيح والمسالك والكفاية والمعالم وشرح الزبدة لجدي الصّالح وروض الجنان ويمكن استفادته من المختصر وشرحه والإحكام وشرح المنهاج للبدخشي والمحكي في المعالم عن السيّد العلامة جمال الدين ابن طاوس والظاهر أنه المشهور بين الأصحاب بل علماء الإسلام ولهم ما ذكره في الخلاف فقال إذا شهد اثنان بالجرح وآخران بالتعديل وجب على الحاكم أن يتوقف وقال الشافعي يعمل على الجرح دون التعديل وقال أبو حنيفة يقبل الأمرين فيقاس بالجرح على التزكية دليلنا إذا تقابل الشهادات ولا ترجيح لأحد الشاهدين وجب التوقف الثاني أنه يجب ترجيح الجارح حينئذ وهو لظاهر جملة من الكتب والمحكي عن جماعة ففي الشرائع لو اختلف الشهود في الجرح والتّعديل قال في الخلاف توقف الحكم ولو قيل يعمل على الجرح كان حسنا وفي المعارج وإن جرح بعض وعدل آخرون قدم العمل بالجرح لأنه شهادة بزيادة لم يطلع عليها المعدل ولأن العدالة قد يشهد على الظاهر وليس كذلك وفي المختلف والتنقيح اختلف قول الشيخ في مسألة الجرح والتعديل إذا عدل الشاهدان وجرحه اثنان فقال في المبسوط يقدم الجرح على التعديل ثم نقل ما ذكره في الخلاف ثم قال وابن إدريس وابن حمزة ذهبا إلى ما قاله في المبسوط وفي القواعد لو اختلف الشهود في الجرح والتعديل قدم الجرح ولو تعارضت البينتان قيل يقف الحكم ويحتمل أن يعمل بالجرح وفي الكشف لو تعارضت البينتان بالتعديل والجرح كأن شهدت بنية الجرح بأنه شرب الخمر في يوم كذا في مكان كذا وشهدت بينة التّعديل بأنه كان تمام ذلك اليوم في مكان آخر وقد كانا حاضريه ولم يشرب الخمر أو شهد اثنان بأنه قتل فلان وآخر بأنه حي قيل في الخلاف يقف في الحكم لانتفاء المرجح ويحتمل أن يعمل بالجرح كما استحسنه المحقق لتقدم الإثبات ويحتمل التعديل للأصل مع الخلو عن ظهور المعارض وفي المعالم إذا تعارض الجرح والتعديل فإن أكثر النّاس يقدم الجرح لأن فيه جمعا بينهما إذ غاية قول المعدل أنه لم يعلم فسقا والجارح يقول أنا علمته فلو حكمنا بعدالته كان الجارح كاذبا وإذا حكمنا بفسقه كانا صادقين والجمع أولى ما أمكن وهذه الحجة مدخولة انتهى والأقرب عندي هو القول الأول لأن الأصل عدم جواز الاعتماد على شهادة العدلين مطلقا ومستنده العقل والعمومات المانعة من العمل بغير العلم حيث إنها لا تفيد العلم خرج من ذلك صورة عدم وقوع التعارض بالإجماع على الظاهر وعموم ما دل على لزوم قبول شهادة العدل وهما مفقودان في محلّ البحث أما الأول فواضح وأما الثاني فلأن العمومات المشار إليها يشمل كلا من المتعارضين من غير تفاوت أصلا ولا يمكن العمل بها فيهما لامتناع العمل بالمتضادين فلا ريب أن أحدهما مخصّص منها وحيث لم يكن معلوما ولا يمكن الترجيح لامتناع الترجيح من غير مرجح لزم التوقف ورفع اليد عنها لصيرورتها حينئذ من قبيل العمومات المخصّصة وكما لا يجوز التمسّك بها في كلّ مورد يحتمل كونه المخصص فكذلك لا يجوز التمسّك بالعمومات المذكورة في كل من المتضادين وذلك واضح لا يقال الظن الحاصل من قول الجارح أقوى من الظن الحاصل من قول المعدّل لوجهين أحدهما أن معرفة الجرح أسهل لعدم توقفها على مقدمات كثيرة ولا على المعاشرة التامة ولا كذلك معرفة العدالة فإنها بعكس ذلك ومن الظاهر أن وقوع الخطأ فيما يتوقف على أمور كثيرة أغلب من وقوعه فيما لا يتوقف عليها فالظن به في الأول أقوى وثانيها أن الغالب في الناس عدم العدالة والفسق والغلبة توجب الظن القوي وحيث كان الظن الحاصل من قول الجارح أقوى كان الأخذ به أحرى لوجوب العمل بأقوى الظنين عند تعارضهما لأنا نقول لا نسلم أن الظن الحاصل من قول الجارح أقوى سلمنا ولكن لا نسلم لزوم العمل بأقوى الظنين هنا لعدم الدليل عليه وإنما يجب العمل بأقوى الظنين حيث ينسدّ باب العلم ويكون المناط في التكليف الظن كما في نفس الأحكام الشرعية وأما في الموضوعات الصّرفة التي من جملتها محل البحث فلا نسلم أن المناط فيها الظن بل المناط فيها الأسباب الشرعية سواء أفادت الظن أم لا بل قد يجب العمل بها ولو حصل بخلافها ولذا لم يدر القضاء والحكومة مدار ظن المجتهد والقاضي ولم يجب عليه الاجتهاد فيهما بمعنى بذل الجهد واستفراغ الوسع في تشخيص الموضوعات الصرفة بل الواجب عليه متابعة ما جعله الشارع سببا لتشخيص الموضوع الصرف المشتبه ولم نجد دليلا على جعل الشارع أقوى الظنين هنا سببا يجب الرّجوع إليه بل مقتضى العمومات القطعية المانعة من العمل بغير العلم من الكتاب والسّنة أنه ليس بسبب شرعي وأنه لا يجوز العمل به فتأمل ويعضد ما ذكرناه مصير المعظم إلى لزوم التوقف في هذه الصّورة وما أشار إليه في مجمع الفائدة فقال إن لم يمكن الجمع بوجه من الوجوه الآتية مثل أن يشهد الأول بأنه عدل في