السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
38
مفاتيح الأصول
وادعاء القطع بذلك إن كان لأجل لزوم تعدد المعنى المراد من الخطاب فهو لازم على تقدير اختصاص كلّ طائفة بعرفها فإن المعنى المراد من اللفظ متعدد حينئذ وإن كان المراد من كل طائفة واحد فتجويز أحدهما دون الآخر تحكم وإن كان لأجل تعدد التكليف ففيه أن ذلك جائز ولا فساد فيه قطعا ورابعا أن ذلك لو تم لزم بمثله دفع الإجمال عن المشترك الخالي عن قرينة التعيين إذ ليس المراد منه أحد معانيه على التعيين لأنه ترجيح بلا مرجح ولا معنى خارج عنها لكونه ترجيح المرجوح ولا جميع معانيه بأسرها للقطع باتحاد المعنى المراد من كل مكلف فيتعين أن يكون المراد أحد معانيه مطلقا بحيث يتحقق الامتثال بكل واحد منها وأنتم لا تقولون بذلك وخامسا أن ذلك لو صحّ فإنما يصحّ بالقياس إلى المخاطبين أي الموجودين وقت الصّدور الحاضرين في مجلس الخطاب وأما من عدا هؤلاء من المعدومين والغائبين فلا يتم التقريب المذكور في حقهم فإن الخطاب الشرعي ليس متوجها إليهم حتى تردد في المعنى المراد منهم أنه الجميع أو البعض أو الخارج عن الكل حتى يثبت المطلوب ولا يمكن إثبات الحكم لهم بتبعية الحاضرين أيضا لأن أقصى ما هناك فرض تعدد العرف والاصطلاح في زمان الصدور مع حضور أهل الاصطلاحات المختلفة في مجلس التخاطب وهو لا يجدي نفعا في إثبات الحكم لهم لما عرفت من أن الموافقة في الاصطلاح لا يقتضي المشاركة في التكليف ويتوجّه على الوجهين جميعا أن حمل الخطاب على الاصطلاحات المختلفة يقتضي اختلاف تكليف الحاضرين وهو ظاهر ومتى اختلف تكليف الحاضر امتنع تكليف الغائب إما مطلقا بناء على أن الموافقة في الاصطلاح لا يقتضي المشاركة في التكليف أو في صورة المخالفة كما إذا وجد للغائبين عرف عام أو خاص مغاير لجميع اصطلاحات الحاضرين فإنه يمتنع حمل الخطاب على ذلك العرف لأنه متوجّه إلى غيرهم فلا يمكن حمله على اصطلاحهم ولا يمكن إثبات الحكم لهم بتبعيته الحاضرين كلا أو بعضا للقطع بامتناع الجميع واستحالة الترجيح من غير مرجح فيلزم سقوط التكليف في حقهم باعتبار ذلك الخطاب وهو باطل بالاتفاق نعم لو قيل بعموم الخطاب وتناوله جميع المكلفين بالأصالة كما ذهب إليه بعض العامة لأمكن توهم إثبات الحكم للغائبين بنفس الخطاب على ما يقتضيه اصطلاحهم لكون الخطاب على هذا القول متوجها إليهم كتوجهه إلى الحاضرين فلا يكون أحد العرفين أولى بالاعتبار من الآخر لكن القول بالعموم مع فساده في نفسه خلاف ما ذهب إليه العلامة فلا يستقيم توجيه كلامه بذلك مع أنك قد عرفت بطلان الحمل على الاصطلاحات المختلفة بما يلزمه من اختلاف التكليف وغيره من المفاسد فالقول بعموم الخطاب على تقدير صحته لا يجدي بطائل في تصحيح هذا الكلام وقد يوجّه ذلك بناء على تقديم عرف المخاطب بأن المراد وجوب حمل اللفظ الوارد في الخطاب المتوجه إلى كل طائفة أي المذكور في الخطاب المختص بكل طائفة على عرفها المختص بها ومرجعه إلى تعدد الخطاب واتحاد عرف المخاطب في كل خطاب وحينئذ فلا يلزم اختلاف معنى اللفظ الواحد ولا تقديم عرف المخاطب مع الاختلاف وذلك ظاهر ولا اختلاف التكليف باختلاف العرف والاصطلاح إذ المفروض اتحاد اللفظ الوارد في الخطاب لا اتحاد الخطاب نفسه فتأمل انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه ولي في بعض ما ذكره نظر ولكن الحق ما صار إليه من عدم الحمل على الاصطلاحات المختلفة نعم يجب إذا أطلق كل طائفة اللفظ المفروض مجردا عن القرينة وجب حمله بالنسبة إليهم على المصطلح عليه بينهم لأن غيره بالنسبة إليهم معنى مجازي فلا يحمل اللفظ المجرد عن القرينة عليه وكذا يجب على كل طائفة حمل اللفظ المفروض إذا ورد في الشريعة وتجرد عن القرينة ولم تعلم بثبوت الاصطلاحات المتعددة له على ذلك ولعل العلامة أراد أحد هذين الأمرين فتأمل مفتاح إذا كان للَّفظ الوارد من الشرع أو غيره حقيقة لغوية وحقيقة عرفية عامة فهل يجب حمله إذا أطلق مجردا عن القرينة على الأول أو على الثاني اختلف فيه الأصوليون فذهب الشيخ في العدة والعلامة في التهذيب والشهيد في شرح القواعد والشهيد الثاني في التمهيد والبيضاوي في المنهاج إلى الثاني والظاهر أنه مذهب معظم الأصوليين بل حكي عن جميعهم وحكي عن بعض الأول وتوقف الشهيد في قواعده والتحقيق أن يقال إن للمسألة صور الأول أن يرد لفظ من الشرع يكون في اللغة حقيقة في معنى وفي العرف العام في معنى آخر ويعلم بتأخر هذا العرف عن حين صدور ذلك وهنا لا ريب في وجوب حمله مجردا عن القرينة على المعنى اللغوي لأن الثابت حين المخاطبة هو الحقيقة اللغوية فيجب حمل اللفظ عليها أما المقدمة الأولى فللفرض وأما الثانية فلما ذكره السيّد الأستاذ رحمه الله فقال اعلم أن الخطاب الشرعي بل كل كلام يلقى إلى مخاطب يجب حمله على ما يفهم منه المخاطب حال صدور الخطاب وتوجيه الكلام لأن الغرض من إلقاء الكلام إلى المخاطب تفهيمه المعنى والدلالة علامة على ما هو المقصود والمراد ومن المعلوم أن ذلك إنما يحصل بواسطة الاصطلاحات المعروفة عنده والأوضاع المعلومة لديه فيجب الحمل عليها تحصيلا للغرض وصونا لكلام الحكيم عن اللغو والعبث ولأن الحمل على ما لا يفهمه المخاطب يستلزم الإغراء بالجهل وتكليف ما لا يطاق وانتفاء الفائدة في إرسال الرسل وإنزال الكتب