السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
39
مفاتيح الأصول
هذا وقد قال اللَّه تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم وفي الحديث أن الله أجل من أن يخاطب قوما ويريد خلاف ما هو بلسانهم وما يفهمونه وإذا ثبت أن الواجب حمل الخطابات الشرعية على ما يفهم منها حال الصّدور فتكليف الغائب والمعدوم أنما يحصل بتحصيل فهم الحاضر المخاطب مع ضم مقدمة أخرى هي أن تكليف الغائبين والمعدومين هو تكليف الموجودين الحاضرين وذلك لأنه إن لم يكن الغائب تابعا للحاضر في التكليف فإما أن يكون الحاضر تابعا للغائب في ذلك أو يكون كل منهما مستقلا في استفادة التكليف من الخطاب بأن يحمل كل منهما تلك الخطابات على مقتضى اصطلاحه وعرفه وكلا الأمرين باطل أما الأول فلأن تكليف الحاضر بتحصيل فهم الغائب والمعدوم تكليف بالمحال لعدم التمكن من المعرفة ولزوم التكليف بالأمور المتناقضة وأما الثاني فلاشتراك التكليف واتحاده في جميع الأزمنة بإجماع المسلمين بل بالضرورة من الدين ولما ورد من أن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه إلى آخره وأن حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ومن الأمر بتبليغ الشاهد الغائب في النصوص المتواترة ولما يلزم من الهرج والفساد بتغيير العرف واختلاف الاصطلاحات وعن الصادق عليه السلام أن حكم الله في الأولين والآخرين وفرائضه عليهم سواء إلا من علة أو حادث يكون والأولون والآخرون أيضا في منع الحوادث شركاء والفرائض عليهم يسأل الآخرون عن أداء الفرائض كما يسأل عنه الأولون ويحاسبون كما يحاسبون به انتهى الثانية أن يرد اللفظ المزبور ويعلم بتحقق عرف العام حين صدوره وهنا يجب حمله مجردا عن القرينة عليه لما تقدم وينبغي تقييد إطلاق كلام من قدم اللغة بغير هذه الصورة كما ينبغي تقييد إطلاق كلام من قدم العرف بغير الصورة الأولى الثالثة أن يرد اللفظ المزبور ويشك في الثابت حين صدوره هل هو الحقيقة اللغوية أو العرفية والظاهر أن هذه الصورة محل النزاع للقول بتقدم اللغة حينئذ أن صيرورته حال الصدور حقيقة في الثاني مجازا في الأول بتصرف اللغة أمر غير معلوم لحصول الشك في مبدأ النقل والتغير فيجب الحكم ببقاء الأول وانتفاء الثاني إذ الأصل تأخر الحادث وبقاء الثابت إلى أن يعلم الرافع لا يقال الاستصحاب قد يعارض بأصالة عدم التكليف وذلك فيما إذا كان الحمل على المعنى اللغوي مستلزما لإثبات وجوب شيء أو حرمته وقد يعارض بأصالة عدم التخصيص ونحوها وذلك فيما إذا كان الحمل المذكور مستلزما لتخصيص ونحوه مما يخالف الظاهر فلا يمكن ترجيح الحمل على المعنى اللغوي لأنا نقول كلما ذكر يجري مثله لو قدم العرف كما لا يخفى فلا يمكن الترجيح من هذه الجهة لتعارض وجهي الترجيح بمثلهما فيبقى أصالة تأخر الحادث سليمة عن المعارض ولا يمكن دعوى لزوم التفصيل في المسألة بالعمل بالأصول في مواردها لأنه لا قائل به بل القوم أطبقوا على خلافه فتأمل نعم قد يناقش في الأصل المذكور بأن المعتبر في باب اللغات الظن وهو بنفسه لا يفيده فلا يصلح للحجية لا يقال أصالة تأخر الحادث حجة بالاتفاق لأنا نقول إن أردت في الجملة فممنوع ولكنه لا يجدي وإن أردت مطلقا بحيث يشمل محل البحث فلا نسلمه فتأمل وللقول بتقدم العرف أمور الأول أن الغالب ثبوت العرف العام في زمن الشرع لا اللغة فيلحق محل الشك بالغالب عملا بالاستقراء الثاني أنه يستبعد استقرار العرف العام بعد زمن النبي صلى الله عليه وآله فالظاهر أنه كان ثابتا قبله الثالث أنه لم نجد أحدا إذا ورد عليه خطاب شرعي أو طالع الكتب القديمة يفحص عن معناه اللغوي ويتوقف في الحمل على ما يفهمه حتى يظهر عدم المعنى اللغوي بل بمجرد سماعه ذلك يحمله على المفهوم عنده وليس ذلك إلا لأن العرف مقدم مطلقا وإلا لكان الواجب الفحص لأنه على هذا التقدير يكون الحمل على ما يفهمه مشروطا بظهور عدم المعنى اللغوي وقبل الفحص هو مشكوك فيه والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط وأما على تقدير تقدم العرف مطلقا فلا يكون حمل اللفظ مشروطا بذلك الشرط إذ لا محالة يجب الحمل عليه الرابع أن المشهور تقدم العرف حينئذ والأصل في الشهرة الحجية وفي جميع الوجوه المذكورة نظر أما الأول فللمنع من ثبوته وأما الثاني فللمنع منه سلمنا ولكن نمنع حجيته وأما الثالث فلاحتمال كون عدم الفحص لو سلَّم لظهور عدم النقل واتحاد العرف مع اللغة وأما الرابع فللمنع من حجية الشهرة وفيه نظر بل الأقرب حجيتها فإذن القول الثاني هو الأقرب لكن المسألة في غاية الإشكال وهل يلحق صورة الظن بثبوت أحد الأمرين من اللغة والعرف في زمن الخطاب بصورة الشك فلا يكون الظن هنا حجة أو لا فيه إشكال ولكن الأقرب الثاني لأن المسألة لغوية فيكفي فيها الظن فتأمل الرابعة أن يرد لفظ موضوع في العرف العام لمعنى ولكن الاشتقاق والوضع النوعي يقتضي وضعه لآخر ولم يعلم استعماله في اللغة فيما اقتضاه الوضع النوعي كما إذا فرض أن لفظ الضارب موضوع في العرف العام للقتل ولكن الاشتقاق يقتضي أن يكون موضوعا لغيره لأنه اسم فاعل من الضرب الذي هو غير القتل فهنا الأقرب ترجيح العرف أيضا إما لعدم القائل بالفصل بين هذه الصورة والصورة الثالثة أو لشهادة الاستقراء بذلك وينبغي التنبيه على أمرين الأول قال السيّد الأستاذ رحمه الله وينبغي