السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

361

مفاتيح الأصول

ولا بين أن يكون مرتدا أو لا وكلّ ذلك مقتضى إطلاق كلام القوم الثاني صرح في النهاية والتهذيب والمنية بأنه لا فرق في الكافر أيضا بين أن يكون متحرزا عن الكذب أو لا وهو ظاهر إطلاق جملة من الكتب وهو في الثاني حسن لعدم حصول الظن من خبره حينئذ فيندرج تحت العمومات المتقدمة المانعة من جواز الاعتماد عليه وهي حينئذ سليمة عن المعارض كما لا يخفى وأما في الأول فمحلّ إشكال وكلَّما ذكرناه في خبر الصّبي المميز من التحقيق والتفصيل يأتي هنا اللهم إلا أن يدعى القطع بأن خبر الكافر لا يقبل مطلقا وكيف كان فالأمر هنا هيّن لندرة الحاجة إلى خبر الكافر الذي لا ينتمي إلى الإسلام كما لا يخفى الثالث إذا تحمل حال الكفر وأدى حال الإسلام قبل بلا إشكال مفتاح هل يشترط في الراوي أن يكون مؤمنا أو لا بل يكفي الإسلام مطلقا اختلفوا فيه على قولين الأول أنه يشترط الإيمان في الراوي وهو للمعارج والتهذيب والمنية وشرح الدراية والمعالم وصرّح فيه وفي سابقه وفي غاية المأمول بأنه المشهور بين أصحابنا الإمامية وفي الرّعاية فقال قطعوا به في كتب الأصول وغيرها الثاني أنه لا يشترط ذلك وهو للمحكي في المعارج عن الشيخ فإنه قال الإيمان معتبر في الراوي وأجاز الشيخ العمل بخبر الفطحية ومن ضارعهم بشرط أن لا يكون متهما بالكذب ومنع من رواية الغلاة كأبي الخطاب وابن أبي الغرافي انتهى وصار إليه جدي في الفوائد الحائرية وغيرها ووالدي العلامة للأولين وجوه منها الأصل ومنها العمومات المانعة عن العمل بغير العلم خرج منها خبر المؤمن بالدليل ولا دليل على خروج خبر غيره فيبقى مندرجا تحتها ومنها ما تمسّك به هنا في المعارج والتهذيب والمنية والرعاية والمعالم وغاية المأمول من أنه فاسق فيجب ردّ خبره أما المقدمة الأولى فلما تقدم إليه الإشارة وأما الثانية فلعموم قوله تعالى إن جاءكم إلى آخره وقد تمسّك بهذه الآية الشريفة في الشرائع والتنقيح ومجمع الفائدة والكشف كما عن العلامة على اشتراط الشاهد في الإيمان ولو منع من شمول الفاسق لغير المؤمن فالأولوية كافية كما فيما تقدم ومنها أن المؤمن يجوز الاعتماد على خبره فلو جاز الاعتماد على خبر غيره أيضا للزم المساواة بينهما من هذه الجهة والأصل عدمها لعموم قوله تعالى أفمن كان مؤمنا إلى آخره ويعضده قوله تعالى لا يستوي أصحاب الجنة إلى آخره وقد استدل الشهيد في القواعد بهذه الآية الآية الشريفة على عدم قبول شهادة أهل الذّمة وزاد فاستدل عليه أيضا بقوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن يجعلهم كالَّذين آمنوا وعملوا الصالحات ومنها أن غير المؤمن ظالم لقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله إلى آخره فلا يجوز الاعتماد على خبره لأنه ركون إليه وهو منهي عنه بقوله تعالى ولا تركنوا إلى آخره وقد تمسّك بهذا الوجه في الشرائع والتنقيح ومجمع الفائدة والكشف كما عن العلامة على اشتراط الإيمان في الشاهد ولكن في الكفاية والعمل بالشهادة إذا أوجبت غلبة الظن ففي كونه ركونا تأمل ومنها فحوى ما دل على عدم جواز قبول شهادة غير المؤمن وعلى عدم جواز الاقتداء به وعلى عدم جواز الوصية إليه ومنها ما تمسّك به في الرياض على عدم جواز قبول شهادة غير المؤمن فقال في جملة كلام له هذا كلَّه على تقدير القول بإسلامه حقيقة وأما على القول بكفره كما هو مختار كثير من قدماء الأصحاب منهم الحلي مدعيا الإجماع عليه فلا إشكال في عدم قبول شهادته لكفره فلا يدخل في إطلاق ما دلّ على قبول شهادة المسلم ثم على تقدير الدخول فيه فهو معارض بإطلاق ما دل على عدم قبول شهادة الكافر بناء على إطلاق الكفر عليهم في الأخبار المستفيضة بل المتواترة المقتضي كونه إما كافرا حقيقة كما هو رأي بعض الأصوليين أو مشاركا له في الأحكام التي منها عدم قبول الشهادة وعلى تقدير تعارض الإطلاقين والتساقط في البين فالرجوع إلى حكم الأصول متعين انتهى وفي مجمع الفائدة وفي الأخبار ما يدل على أن ذلك كفر مثل الخبر المستفيض بل مقبول الكل من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ومنقول في الكافي بطريق متعدّدة كثيرة منها صحيحتي الحارث بن المغيرة قال قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية قال نعم قلت جاهلية جهلا أو جاهلية لا يعرف إمام زمانه قال جاهلية كفر ونفاق وضلال ومثل صحيحة البزنطي عن أبي الحسن عليه السلام في قول اللَّه عز وجلّ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من اللَّه قال يعني من اتخذ دينه ورأيه بغير إمام من أئمة الهدى وصحيحة محمّد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول وهو ضال متحير والله شانئ لأعماله ومثله كمثل شاة ضلَّت عن راعيها وقطيعها فهجمت ذاهبة وجائية يومها فلما جنّها الليل إلى قوله يا محمد من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من اللَّه عزّ وجلّ ظاهرا عادلا أصبح ضالا تايها وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق واعلم يا محمّد أن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله قد ضلَّوا وأضلَّوا فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ورواية عبد اللَّه بن أبي يعفور قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام إني أخالط النّاس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولَّون فلانا لهم أمانة وصدق ووفاء وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق قال فاستوى أبو عبد الله عليه السلام جالسا فأقبل عليّ كالغضبان ثم قال لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من اللَّه ولا على من دان اللَّه بولاية إمام عادل من اللَّه قلت لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء قال نعم لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء ثم قال ألا تسمع لقول اللَّه عز وجلّ اللَّه ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى