السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
362
مفاتيح الأصول
يعني ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كل إمام عادل من اللَّه وقال والَّذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات إنما عنى بهذا بأنهم كانوا على نور الإسلام فلما أن تولَّوا كلّ إمام جائر ليس من اللَّه خرجوا بولايتهم إياه من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر فأوجب الله لهم النار مع الكفر وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والأحاديث في ذلك كثيرة جدّا فمن ورد في حقه أمثال هذه الأحاديث كيف لا يكون فاسقا فإن غاية ما يمكن أن نؤول الأخبار ونخرجهم من الكفر إلى الفسق فلا معنى لقبول شهادتهم وتسميتهم بالعدالة كما يفهم من شرح الشرائع انتهى ومنها أنه لو كان أخبار المخالفين حجة للزم ضبط أخبارهم وأحاديثهم ونسخها وتصحيحها والاعتناء بها غاية الاعتناء كما في كتب أخبار المؤمنين والحال أن المشاهد من سيرة الأصحاب خلاف ذلك كما لا يخفى وفيه نظر فتأمل وللآخرين وجوه أيضا منها أن المخالف إذا كان ثقة وعدلا في دينه ومتحرزا عن الكذب حصل من خبره الظن بالحكم الشرعي فيجب العمل بخبره أما المقدمة الأولى فمما لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه ومما يؤيده اتفاق العلماء سلفا وخلفا على الرجوع إلى أئمة اللَّغة والنحو والصرف والمعاني والبيان والقراءة والتفسير في المسائل المتعلقة بالعلوم المذكورة وليس ذلك قطعا إلا لإفادة قولهم الظن وربما كان ما ذكر مؤيدا أو دليلا على جواز الاعتماد على خبرهم في نفس الأحكام الشرعية وأما المقدمة الثانية فلأصالة حجية الظن لا يقال الأصل المذكور إنما يصار إليه حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه وأما معه فلا ومن الظاهر أن الأدلَّة المتقدمة الدالة على القول الأول أقوى منه لأنا نقول لا نسلم ذلك فإنها لا تفيد العلم بعدم حجية المفروض بل غايتها الظن وهو لا يجوز الاعتماد عليه هنا إذ لا يجوز نفي حجيّة ظن بظن آخر كما لا يجوز إثبات حجية ظن بظن آخر لا يقال الظن المستفاد من ظاهر الكتاب والسنة المتواترة ظن خاص قام الدليل القاطع على حجيته بالخصوص فيكون هو بمنزلة العلم يجوز إثبات حجية الظن ونفيها به لأنا نقول إن أردت أنه ظن خاص في الجملة فهو الإحكام ولكنه لا يجدي وإن أردت أنه ظن خاص مطلقا بحيث يشمل محل البحث فهو ممنوع نعم يمكن المناقشة في هذه الحجة بالمنع من أصالة حجية الظن أو بالمنع من حجية الظن الَّذي دل ظن آخر على عدم حجيته ولكنهما خلاف التحقيق كما تقدم إليه الإشارة ومنها ما تمسّك به الشيخ في العدة فقال وأما العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين فهو أن يكون الراوي معتقدا للحق مستبصرا ثقة في دينه متحرزا عن الكذب غير متهم فيما يرويه فأما إذا كان مخالفا في الاعتقاد لأصل المذهب وروى مع ذلك عن الأئمة نظر فيما يرويه فإن كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه وجب اطراح خبره وإن لم يكن هناك ما يوجب اطراح خبره ويكون هناك ما يوافقه وجب العمل به وإن لم يكن هناك من الفرقة المحقة خبر يوافق ذلك ولا يخالفه ولا يعرف لهم قول فيه وجب أيضا العمل به بما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنا فانظروا إلى ما رووه عن علي عليه السلام فاعملوا به ولأجل ما قلناه عمل الطائفة بما رواه حفص بن غياث وغياث بن كلوب نوح بن دراج والسّكوني وغيرهم من العامة عن أئمتنا عليهم السلام فيما لم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه وأما إذا كان الراوي من فرق الشيعة كالفطحية والناووسية وغيرهم نظر فيما يرويه فإن كان هناك قرينة تعضده أو خبر آخر من جهة الموثقين بهم وجب العمل به وإن كان هناك ما يخالفه من طريق الموثقين وجب اطراح ما اختصّوا بروايته والعمل بما رواه الثقة وإن كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه ولا يعرف من الطائفة العمل بخلافه وجب أيضا العمل به إذا كان متحرزا في روايته موثوقا في أمانته وإن كان مخطئا في أصل الاعتقاد فلأجل ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحية مثل عبد اللَّه بن بكير وغيره وأخبار الواقفية مثل سماعة بن مهران وعلي بن أبي حمزة وعثمان بن عيسى من بعد هؤلاء بما رواه بنو فضال وبنو سماعة والطاطريّون وغيرهم فيما لم يكن عندهم فيه خلاف انتهى وحاصل ما ذكره أمران أحدهما الرواية التي أشار إليها وثانيهما دعوى إجماع الطائفة على العمل بإخبار طائفة من غير الإمامية وفي كلا الوجهين نظر أما الأول فلضعف سنده بالإرسال فلا يصلح للحجيّة ومع ذلك فهو معارض بالعمومات المانعة عن العمل بغير العلم والتعارض بينهما من قبيل تعارض العمومين من وجه لتواردهما في محلّ الفرض كما لا يخفى وشمول العمومات المذكورة للقياس ونحوه دون الرّواية المتقدمة وشمول الرواية المذكورة لصورة حصول العلم لما رووه باعتبار تواتره واحتفافه بالقرائن القطعية دون العمومات المذكورة ومن الظاهر أن وجوه الترجيح معها دون الرّواية المذكورة إلا أن يدعى انصراف إطلاقها إلى غير صورة حصول العلم لندرتها أو عدم تبادرها منه فيصير الرّواية حينئذ لنص في المدعى فينبغي تخصيص تلك العمومات بها ومع هذا فالتفصيل في الرواية وتخصيص الحكم بجواز الرّجوع إلى رواية المخالفين بصورة فقد الرواية عن سائر الأئمة عليهم السلام مما يمنع حمل الرّواية على العموم يوجب تخصيصها بصورة عدم حصول العلم مما رووه كما لا يخفى ولا يقدح فيما ذكر قوله عليه السلام ما رووه بصيغة الجمع فإنه ليس ظاهرا في توقف العمل برواية المخالف على كون الرّاوي بها جميع أفراده فتأمل فإذن ينحصر طريق المناقشة في الرّواية في إرسالها الموجب لضعفها المانع من حجيّتها وقد يجاب عن هذا بانجبار الضعف بما ادعاه الشيخ من عمل الطائفة وبظهور أن الشيخ لا يستند إلى رواية مرسلة في إثبات أصل عظيم فليس استناده