السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
360
مفاتيح الأصول
هذا مع قطع النظر عن كفر الأولين وأن متابعة الكفار في الدين فسق فيلزم كونهم معذورين مع ذلك وعداوتهم مع اللَّه تعالى ورسوله وأهل بيته وبالجملة مفاسد هذا القول كثيرة جدّا وقد بالغ في ذلك ولا ينبغي صدور مثله عن مثله وما أعرف وجه ذلك الله يعلم وفي الكشف لا يقبل شهادة الكافر للفسق والظلم وفي المعالم لا يقبل خبر الكافر لقوله تعالى إن جاءكم إلى آخره وهو شامل للكافر وغيره ولئن قيل باختصاصه في العرف المتأخر بالمسلم لدلّ بمفهوم الموافقة على عدم قبول خبر الكافر كما هو ظاهر وفي الرياض بعد الإشارة إلى ما في المسالك هو حسن إن اختير الرّجوع في بيان معنى الظلم والفسق إلى العرف حيث أن المتبادر منهما مدخلية الاعتقاد في مفهومهما وأما إن اختير الرجوع إلى اللغة فمنظور فيه لعدم مدخلية الاعتقاد في مفهومهما جدّا فتأمل وفي المشارق الفسق الترك لأمر اللَّه تعالى والعصيان والخروج عن طريق الحق والفويسقة الفأرة لخروجها عن جحرها على الناس وفي موضع من الأحكام لا يقبل خبر الكافر لقوله تعالى إن جاءكم إلى آخره أمر بالتثبت في إخبار الفاسق والكافر فاسق لأن الكفر أعلى درجات الفسق وإذا كان فاسقا فالآية إن كانت عامة بلفظها في كلّ فاسق فالكافر داخل تحتها وإن لم تكن عامة بلفظها في كلّ فاسق فهي عامة بالنظر إلى المعنى المومي إليه وهو الفسق من حيث أنه رتب ردّ الخبر على كون الآتي به فاسقا في كلام الشارع مع مناسبة له فكان ذلك علَّة الرّدّ وهو متحقق فيما نحن فيه فإن قيل المرتب عليه رد الأخبار إنما هو مسمّى الفاسق وهو في عرف الشارع خاص بمن هو مسلم صدر منه الكبيرة وواظب على صغيرة فلا يكون متناولا للكافر فالجواب بمنع اختصاص اسم الفاسق في الشرع بالمسلم وإن كان ذلك عرفا للمتأخرين من الفقهاء وكلام الشارع إنما ينزل على عرفه لا على ما صار عرفا للفقهاء كيف وإن حمل الآية على الفاسق المسلم مما يوهم قبول خبر الفاسق الكافر على الإطلاق نظرا إلى قضية المفهوم وهو خلاف الإجماع ولا يخفى أن حمل اللَّفظ على ما يلزم منه مخالفة دليل وما اختلف في كونه دليلا خلاف الأصل وفي شرح المختصر لا يقبل خبر الكافر لقوله تعالى إن جاءكم إلى آخره والكافر فاسق بالعرف المتقدم علم ذلك بالاستقراء وإن كان لا يسمى في العرف المتأخر فاسقا ويجعل قسيما له ويعرّف بأنه مسلَّم ذو كبيرة أو صغيرة واظب عليها انتهى سلمنا أن الكافر لا يطلق عليه لفظ الفاسق حقيقة ولكنه يلحق به بالأولوية كما صرّح به في المعالم وغيره ولا يقال هذا مدفوع بما ذكره في الإحكام فإنه قال لا خلاف في امتناع قبول خبر الكافر لا لما قيل من أن الكفر أعظم أنواع الفسق والفاسق غير مقبول الرواية فالكافر أولى وذلك لأن الفاسق إنما لم تقبل روايته لما علم من اجترائه على فعل المحرمات مع اعتقاد تحريمها وهذا المعنى غير متحقق في حق الكافر إذا كان مترهّبا عدلا في دينه معتقد التحريم الكذب ممتنعا حسب امتناع العدل المسلم لأنا نقول ما ذكره في غاية الضعف فتأمل ومنها أن الكافر ظالم وكلّ ظالم لا يجوز قبول خبره أما الصغرى فلأنه لم يحكم بما أنزل اللَّه تعالى وكل من كان كذلك فهو ظالم لقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل اللَّه فأولئك هم الظالمون ولا يختص هذا بمن نزل فيه وهم اليهود لأن العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب كما صرّح به في كنز العرفان ولقوله تعالى وكان الإنسان ظلوما جهولا ولأن ذلك مما صرّح به جماعة كالعلامة في النهاية وفخر الإسلام في الإيضاح والسيوري في المفاتيح والشهيد الثاني في الروضة والفاضل الهندي في الكشف والطبرسي في مجمع البيان وغيرهم وأما الكبرى فلعموم قوله تعالى ولا تركنوا إلى الَّذين ظلموا فتمسّكم النّار لا يقال هذا يتوقف على كون قبول الخبر ركونا إليه وهو ممنوع لأنا نقول هذا المنع بعيد بل الظاهر أن ذلك ركون كما يستفاد من جمع كثير منهم العلامة في النهاية فإنه قال لا يجوز قبول خبر الكافر لقوله ولا تركنوا إلى آخره وهذا ظالم وقبول روايته ركون إليه انتهى ومنها أن المؤمن يجوز الاعتماد على خبره فلو جاز الاعتماد على خبر الكافر لكان بينهما مساواة من هذه الجهة والأصل عدمها لعموم قوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون وقوله تعالى لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار ومنها ما دلّ على اشتراط الإيمان والعدالة في الراوي ومنها فحوى ما دل على عدم قبول شهادة الكافر وعدم جواز الوصية إليه ومنها العمومات المانعة عن العمل بغير العلم خرج منها بعض الأفراد ولا دليل على خروج محل البحث منها فيبقى مندرجا تحتها ومنها ما تمسّك به في النهاية من أن الرّواية من المناصب الشرعية والمراتب الجليلة التي لا تليق بالكافر ومنها ما تمسّك به في النهاية فقال إن كفره يقتضي الإهانة والإذلال وقبول روايته يقتضي التعظيم والإجلال وبينهما منافاة وجهله لكفره ليس عذرا لأنه ضمّ إلى كفره جهلا آخر ومنها ما تمسّك به في التهذيب والمنية فقالا ولأن قبول الرواية تنفيذ حكم على المسلمين إلى يوم القيامة فلا تتقبل من الكافر لا يقال يعارض ما ذكر النبوي المرسل نحن نحكم بالظاهر واللَّه يتولى السّرائر إذ الكافر إذا كان متحرزا عن الكذب كان صدقه ظاهرا فيجب العمل به لأنا نقول هذه الرواية لا تصلح للمعارضة من وجوه شتى وقد أشار إلى بعضها في الإحكام والمختصر وشرحه فقالوا إن العمل بما ذكرناه أولى لتواتره وخصوصه بالفاسق فإنه غير متفق على تخصيصه وما ذكروه آحاد وهو متناول للكافر بعموم كون خبره ظاهرا وهو مخالف لخبر الكافر الخارج من الملَّة والفاسق إذا ظن صدقه فإن خبره لا يكون مقبولا بالإجماع وينبغي التنبيه على أمور الأوّل لا فرق في الكافر بين أن يكون ذميّا كاليهود والنصارى أو حربيّا