السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
356
مفاتيح الأصول
بخبر العدل وذلك لأنه على هذا التقدير كأن المعنى أنه على تقدير عدم مجيء الفاسق بالخبر لا يجب التبين فيمكن أن يكون قد تبين إذا جاء عادل وقد لا يتبين أصلا كما إذا لم يكن هناك مخبر أصلا انتهى وفيه نظر وقد اعترف الباغنوي ببطلان هذا الإيراد فإنه قال بعد ما نقلنا عنه وفيه أن من قال بالمفهوم إنما يقول به محترزا من ارتكاب اللغو في الكلام وعلى هذا التوجيه يصير الشرط لغوا وهو ظاهر انتهى وقد صرّح بما ذكره جدي الصالح رحمه الله وقال ينتفي وجوب اليقين عند انتفاء مجيء الفاسق عملا بمفهوم الشرط سواء لم يكن هناك مخبر أصلا أو كان عادلا انتهى وأشار إلى هذا السيّد الخليفة والأسنوي وقد يقال إن التمسّك بمفهوم الشرط في الآية وجعله مبني الاستدلال بها كما يظهر من جماعة من المحققين غير وجيه لأن الذي دلّ عليه المنطوق هو وجوب التبين في خبر الفاسق عند مجيئه فيكون المفهوم نفي وجوب التبين في خبر الفاسق عند عدم مجيئه لا عدم وجوب التّبين مطلقا بحيث يشمل خبر العدل وهو واضح فإن من قال أكرم زيدا إن جاءك كان المفهوم منه نفي وجوب إكرام زيد إذا لم يجئ لا نفي وجوب الإكرام مطلقا والآية من هذا القبيل جدّا لو بني الاستدلال بالآية الشريفة على حجية مفهوم الصّفة كما يظهر من جماعة آخرين اتجه ولكن التحقيق أن مفهوم الصّفة ليس بحجة فالاستدلال بالآية الشريفة على حجية خبر العدل ساقط وكذا يسقط الاستدلال بها على حجية ذلك على القول بعدم حجية مفهوم الشرط وإن كان مقتضاه هنا حجية خبر العدل ولذا أجاب في الذريعة والغنية ومجمع البيان والمعارج والنهاية وشرح ابن التلمساني والأحكام وشرح العضدي عن الاحتجاج بالآية الشريفة على حجية ذلك بأن هذا الاستدلال مبني على دليل الخطاب وهو ليس بدليل السابع إن مقتضى إطلاق منطوق الآية الشريفة وجوب التبين في خبر العدل الذي كان فاسقا بناء على أن صدق المشتق لا يشترط فيه بقاء المبدإ فيكون منطوقها دليلا على بطلان حجية خبر الواحد وفيه نظر لأن المتبادر من الإطلاق من كان فاسقا حين الإخبار لا مطلقا فينصرف إليه الإطلاق ولا ينافي هذا القول بعدم كون بقاء المبدإ شرطا في صدق المشتق ومع هذا فالفسق ضد وجودي للعدالة وقد صار جماعة من القائلين بذلك القول إلى عدم صدق المشتق مع طرو الضد الوجودي فلا يرد ذلك نعم قد يقال مقتضى الإطلاق وجوب تحصيل العلم إذا أخبر الفاسق مطلقا ولو أخبر العدل بما أخبر به الفاسق فيرد ذلك وفيه نظر الثامن إن المفهوم في الآية لو كان معتبرا ودالا على حجية خبر العدل لوجب قبوله إذا كان دالا على ارتداد قوم والتالي باطل كما يظهر من عبارة الشيخ فإنه قال لا يصح الاستدلال بالآية لأنها نزلت في فاسق أخبر بردّة قوم ولا خلاف فإنه لا يقبل فيها خبر العدل لأنه لا يجوز أن يحكم بارتداد قوم بخبر العدل الواحد لا يقال هذا خرج بالدليل ولا دليل على خروج غيره فيبقى مندرجا تحت عموم المفهوم لأنا نقول هذا أظهر أفراد المفهوم فإذا حكم بخروجه منه لزم الحكم بعدم اعتباره بالنسبة إلى غيره أما الثاني فظاهر لمن تدبر وأما الأول فيظهر من ملاحظة سبب نزول الآية الذي ذكره في النهاية فإنه قال إن سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وآله بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط ساعيا إلى بني المصطلق فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم فعاد وأخبره بأن الذين بعثه إليهم قد ارتدوا وأرادوا قتله فأجمع النّبي صلى الله عليه وآله على غزوهم وقتلهم انتهى وصرّح بهذا في مجمع البيان والكشاف وحكاه في الأول عن ابن عباس ومجاهد فتأمل التاسع ما أشار إليه الآمدي والعضدي من أن الآية الشريفة على تقديرين دلالتها على المدعى فغايتها أنها حجة ظنية فلا يصح الاستدلال بها في الأصول وفيه نظر العاشر أن الخطاب في قوله تعالى إن جاءكم إلى آخره يختص بالمشافهين على التحقيق ولم يعلم أشخاصهم فلعلهم الجماعة الذين لا يجوز لهم العمل بأخبار الآحاد في الشريعة وهم النبي صلى الله عليه وآله وأوصيائه المعصومين الحادي عشر أن الإطلاق في قوله تعالى إن جاءكم إلى آخره ينصرف إلى الشائع وهو البناء في غير الأحكام الشرعية لأن الغالب أن الفاسق ينبئ عنه فلا يبقى في الآية الشريفة دلالة على حجية خبر الواحد في الأحكام الشرعية الثاني عشر إن الظاهر أن معظم العلماء على عدم دلالة الآية الشريفة على حجية خبر العدل كما لا يخفى ويبعد اتفاقهم على الخطاء وهل الأصل في خبر الفاسق الردّ ووجوب التبين أو لا فيه إشكال ولكن الاحتمال الأول في غاية القوة لإطلاق منطوق الآية الشريفة لا يقال فاسق في الآية نكرة في الإثبات فلا يعمّ لأنا نقول هذا مردود بما ذكره جدي الصالح رحمه الله فقال إن فاسقا عام وإن وقع في الإثبات ويؤيده ما ذكره صاحب الكشف من أن في تنكير الفاسق والبناء عموما كأنه قيل أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبإ ولا يقال إن الآية نزلت في مورد خاص فيختص به لأنا نقول هذا مدفوع بما ذكره جدي الصالح أيضا فقال إن خصوص السّبب لا يخص عموم اللَّفظ انتهى ولا فرق فيما ذكرنا بين الكافر والفاسق المؤمن القول في شرائط العمل بخبر الواحد مفتاح يشترط في العمل بخبر الواحد أن يكون الراوي عاقلا فلو كان مجنونا لم يجز الاعتماد على روايته كما صرّح به في المعارج والنهاية والتهذيب والمنية والرعاية والزبدة والمعالم والمتحول والإحكام والمختصر وشرحه ولهم وجوه منها ظهور الاتفاق عليه ومنها دعوى الاتفاق عليه في جملة من الكتب ففي الرّعاية اتفق أئمة الحديث وأصول الفقه على اشتراط عقل الراوي وفي المنية القائلون بأن خبر الواحد حجة اعتبروا في حجيّته شروطا خمسة تتعلق بالمخبر وينظمها شيء واحد وهو كونه راجح الصدق على الكذب عند السامع الأول كونه عاقلا وفي المتحول العقل شرط بالإجماع في الراوي