السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

355

مفاتيح الأصول

بأن يمنع من تجويز الجهالة في خبر العدل من حيث علق الحكم بخبر الفاسق بأولى ممن قال أنا أمنع بحكم التعليل من دليل الخطاب في تعليق الحكم بخبر الفاسق لأنه لا يمتنع ترك دليل الخطاب لدليل والتعليل دليل فيسقط على كلّ حال التعلق بالآية وفي المعارج فإن قالوا لو استوى العدل والفاسق في ذلك لم يكن لذكر الفسق فائدة قلنا لا نسلم وما المانع أن يكون الفائدة هي إظهار فسوق من نزلت الآية بسببه وهو الوليد بن العقبة فإنه يمكن أن يكون على ظاهر العدالة عندهم فكشف عن فسوقه وفي حاشية الزّبدة لجدي رحمه الله أن التعليل في الآية أولى أن يعوّل عليه من مفهوم الشرط انتهى ويمكن المناقشة فيما ذكروه من المعارضة بوجوه منها ما أشار إليه القاضي فيما حكاه ابن التلمساني عنه فقال وأجاب القاضي عنه بأن الجهالة هنا بمعنى السّفاهة وفعل ما لا يجوز فعله لا عقد غير المطابق بدليل قوله تعالى فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ولو كان المراد الغلط في العقد لما جاز قبول الشهادة والفتوى لا يقال الفرق أن الفتوى في محل الضرورة لأن وجوب تحصيل صفات الاجتهاد على كل أحد غير متيسر لا سيّما لضعف التميز واشتغال الجميع به عائق لمعاش الذي به بقاء العالم وفي توقف الشهادة على حصول العلم تضييع لحقوق الناس والمجتهد إذا عدم النص والإجماع ولوازمهما يرجع إلى البراءة الأصلية لأنا نقول معرفة النصوص ومواقع الإجماع للجميع قريب ويمكن الرجوع بعدهما إلى البراءة الأصلية وقولهم في قبول الشهادة الظنية صيانة حق المدّعي يعارضه أنه إضرار بالمدعى عليه لسفك دمه وقطع أطرافه وإباحة عرضه وما له يقول من يجوز عليه الغلط والسّهو ولا يناسب إزالة الضرر بالضرر انتهى وفيه نظر فتدبر ومنها أن مفهوم قوله تعالى الدال على جواز العمل بخبر العدل أخصّ من مفهوم التعليل فيقيد به فيكون الآية الشريفة دليلا على حجية خبر الواحد وقد يقال هذا حسن لو كان مفهوم قوله تعالى إن جاءكم الآية مختصا بخبر العدل وهو ممنوع بل يشمل بإطلاقه خبر المعصوم عليه السلام ولا يشمله عموم التعليل فيكون التعارض بين المفهومين من قبيل تعارض العمومين من وجه ولا ترجيح فيجب التوقف ومعه يسقط الاستدلال على حجية خبر العدل بمفهوم قوله تعالى إن جاءكم إلى آخره وأيضا عموم التعليل لا يشمل خبر الشهود لخروجه عنه بالإجماع ومفهوم قوله تعالى إن جاءكم إلى آخره يشمله فيكون التعارض بينهما من قبيل تعارض العمومين من وجه من هذه الجهة ومنها أن الجهل وإن كان يجتمع مع الظن ويشمله لأنه خلاف اليقين ولكن إطلاقه ينصرف إلى ما يحصل باعتبار الشك لا غير فإنه إذا قيل فلان جاهل بموت زيد يتبادر إلى الذهن أنه غير معتقد لذلك ولو على سبيل الظن ويؤيد هذا شيوع إطلاق لفظ العلم على الظن فإذن التعليل المذكور لا يشمل خبر العدل المفيد للظن وربّما يشير إلى هذا الكلام ابن التلمساني ومنها ما أشار إليه العلامة في النهاية فإنه قال بعد توجيه الاستدلال بالآية الشريفة على حجية خبر الواحد بما نقلنا عنه سابقا وفيه نظر لأن الأمر بالتثبت جاز أن لا يكون للنهي عن القبول بل عن الرد قطعا فيكون خبر العدل مندرجا فيه من طريق التنبيه بالأدنى على الأعلى وهو وإن بعد ولكنه محتمل انتهى وأورد عليه جدي الصالح رحمه الله بأنه لا يناسب لسياق الآية وسبب نزولها على أن النهي عن رد قبول خبر العدل وإن فهم حينئذ لأن اعتباره في الأدنى لا يوجب اعتباره في الأعلى بل الأمر بالعكس الرابع ما أشار إليه السيّد عميد الدين فإنه قال بعد الإشارة إلى توجيه الاستدلال بالآية الشريفة على حجية خبر الواحد بنحو ما في النهاية وفيه نظر لمنع الحصر إذ انتفاء وجوب التثبت غير ملزوم لأحد الوجهين أعني وجوب الرد ووجوب القبول بل قد يجامع جواز القبول وجواز التثبت ثم إن ذلك معارض بخبر المجهول فإنه غير مقبول عند الأكثر مع اقتضاء ما ذكرتموه من الدليل قبوله انتهى وفيه نظر أما أولا فلأنه إذا لم يجب التثبت وجاز القبول في خبر العدل وجب العمل به إذ الظاهر أنه لا قائل بالفصل بين الأمرين وأن كل من قال بجواز القبول قال بوجوبه بل قد صرّح بذلك السيد الخليفة وجدي الصالح والباغنوي وغيرهم وأما ثانيا فلما ذكره جدي الصالح رحمه الله فقال مجهول الحال فاسق أيضا لأن المراد بالفاسق أعم من أن يكون فسقه معلوما أو مظنونا ومجهول الحال فسقه مظنون إما باعتبار أن الفسق هو الأصل والعدالة طارئة كما قيل وأما لأنه أغلب وأكثر فيحصل لنا بذلك ظن بفسقه كما تشاهد من أنفسنا إذا دخلنا بلدا كان الكافر فيها أكثر من المسلم فرأينا واحدا لا نعلم حاله فإنا نظن بأنه كافر انتهى وفيه نظر خصوصا على تقدير صحة دعوى انصراف الفاسق إلى معلوم الفسق كما لا يخفى الخامس ما أشار إليه الباغنوي فإنه قال غاية ما يستفاد من المفهوم هو نفي وجوب التبين عند فقد خبر الفاسق وهو لا يستلزم جواز العمل بخبر العدل بل يجتمع مع عدم جواز العمل به ويكون وجه الفرق على هذا التقدير أن خبر الفاسق يجب التبين فيه وتحقيق كونه صدقا أو كذبا وخبر العدل لا يجب فيه ذلك بل يتوقف فيه ولا يعمل به ولا يلزم على هذا أن يكون خبر العدل أسوأ حالا بل في هذا دلالة على علوّ مرتبة العادل ودنو مرتبة الفاسق إذ من الظاهر أن من أمر بالتفتيش في أمره وخبره ولم يلحظ السرّ عليه أخسّ مرتبة ممن لم يأمر بذلك في أمره وخبره المنبئ عن ملاحظة السر عليه انتهى وفي غاية البادي لا يلزم من عدم الردّ القبول لأن بين الردّ والقبول انتهى وفيه نظر السادس ما أشار إليه الباغنوي أيضا فإنه قال ويمكن أن يقال مفهوم الشرط عدم مجيء الفاسق وذلك أعم من مجيء غير الفاسق وهو العادل فلا يلزم من اعتبار المفهوم وجوب