السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
353
مفاتيح الأصول
الشرائع ومأخذه هو هذا الكتاب كما هو معلوم لمن تتبعهما وتفحّص ما فيهما وعرض أحدهما على الآخر ومن هذا يظهر عذر الصّدوق في عدة لرسالة أبيه من الكتب التي إليها المرجع وعليها المعوّل فإن الرسالة مأخوذة من الفقه الرّضوي الَّذي هو حجة عنده ولم يكن الصّدوق ليقلَّد أباه فيما أفتاه حاشاه وكذلك اعتماد الأصحاب على كتاب علي بن بابويه فإنه ليس تقليدا بل اجتهاد الوجود السّبب المؤدي إليه وهو العلم بكون ما تضمنه هو عين كلام الحجة انتهى مفتاح إذا أخبر العدل الواحد بشيء سواء كان من الأحكام الشرعية أو موضوعاتها أو المسائل اللغوية فالأصل فيه عدم الحجية إلا أن يقوم دليل عليها لأنه لا يفيد العلم وكلما لا يفيده فالأصل فيه عدم الحجية نعم إن أفاد الظن وقلنا بأن الأصل حجية كلّ ظن في الفروع واللَّغات أمكن دعوى حجيته حينئذ فيهما ولكن حجيته حينئذ مستندة إلى أمر آخر لا إلى كونه خبر عدل وقد يقال ما ذكر مدفوع بعموم قوله تعالى في سورة الحجرات إن جاءكم إلى آخره فإنه يفيد بمفهومه أصالة حجية خبر العدل في كلّ مقام وقد استدل به في النهاية والتهذيب والمبادي والمعالم والزبدة وغاية البادي والمنهاج وشرحه للعبري والمحصول على كون خبر الواحد العدل حجة وقرّروا وجه الاستدلال بوجهين أحدهما ما ذكره في النهاية والمعالم وحكاه في المحصول عن بعض وظاهره اختياره من أنه سبحانه وتعالى علق وجوب التثبت على مجيء الفاسق فينتفي عند انتفائه عمل بمفهوم الشرط وإذا لم يجب التثبت عند مجيء غير الفاسق فإما أن يجب القبول وهو المطلوب أو الرد وهو باطل لأنه يقتضي كونه أسوأ حالا من الفاسق وفساده بيّن وزاد في المعالم فقال وما يقال من أن دلالة المفهوم ضعيفة مدفوع بأن الاحتجاج به مبني على القول بحجيته فيكون من جملة الظواهر التي يجب التمسّك بها وثانيهما ما ذكره في النهاية والتهذيب وغاية البادي والمحصول والمنهاج وشرحه للعبري من أنه تعالى أمر بالتثبت عند إخبار الفاسق وقد اجتمع فيه وصفان ذاتي وهو كونه خبر واحد وعرضي وهو كونه فاسقا والمقتضي للتثبت هو الثاني للمناسبة والاقتران فإن الفسق يناسب عدم القبول فلا يصلح الأول للعلية وإلا لوجب الاستناد إليه إذ التعليل بالذاتي الصالح للعلية أولى من التعليل بالعرضي لحصوله قبل حصول العرضي فيكون الحكم قد حصل قبل حصول العرضي وإذا لم يجب التثبت عند إخبار العدل فإما أن يجب القبول وهو المطلوب أو الردّ فيكون أسوأ حالا من حال الفاسق وهو محال وبالجملة أن الآية الشريفة دلَّت على نفي وجوب التبين عند إخبار غير الفاسق والعدل فيجب قبوله أما المقدمة الأولى فلمفهومي الشرط والصّفة وأما الثانية فلأنه لو لم يجب القبول لكان العادل أسوأ حالا من الفاسق وهو باطل وزاد في المبادي فقال لو وجب التوقف في خبر العادل انتفي فائدة الوصف انتهى وفيه نظر من وجوه الأول أن عموم ما دلّ على حرمة العمل بالظن من نحو قوله تعالى إن الظن لا يغني من الحق شيئا يعارض المفهوم في الآية الشريفة والأولى الأخذ بالأول لأن المفهوم لا يعارض المنطوق لا يقال هذا مسلم لو كان التعارض بين المتعارضين المذكورين من باب تعارض العمومين من وجه وهو باطل بل هو من باب تعارض العام والخاص المطلق فإنه لا شك في أن المفهوم المذكور أخصّ من عموم ما دلّ على حرمة العمل بالظن فلا إشكال حينئذ في لزوم الأخذ بالخاص وإن كان مفهوما والقول بعدم جواز تخصيص المنطوق بالمفهوم خلاف التحقيق ودليله مدخول لأنا نقول التعارض بين المتعارضين المذكورين من قبيل تعارض العمومين من وجه لوجوه منها قوله تعالى إن الظن لا يغني من الحق شيئا ونحوه مما يدلّ على حرمة العمل بالظن خاص من جهة التصريح فيه بالظن عام من جهة الشمول للظنّ المستفاد من خبر العدل وغيره والمفهوم في الآية الشريفة خاصّ من جهة اختصاصه بخبر الواحد العدل عام من جهة شموله لما كان مفيدا للعلم وغيره فإن خبر الواحد العدل قد يفيد العلم وفيه نظر لأنه لا قيّد المفهوم بخبر العدل المفيد للعلم يسقط اعتبار المفهوم ولم يبق فرق بين خبر العدل والفاسق للقطع بعدم وجوب التبين إذا حصل العلم بخبر الفاسق فيلزم أن يكون المراد في المفهوم خبر العدل الذي لم يحصل العلم بصدقه فتدبّر ومنها أن عموم ما دل على عدم جواز العمل بالظن نحو قوله تعالى إن الظنّ لا يغني من الحق شيئا مخصّص بحال التمكن من العمل بالعلم ولا يشمل حال عدم التمكن منه وحينئذ لا إشكال في أن التعارض بينه وبين إن جاءكم الآية من تعارض العمومين من وجه لأن ما دل على منع العمل بالظن خاص من جهة اختصاصه بحال التمكن من العلم وعام من جهة شموله للظن الحاصل من خبر الواحد وغيره وآية النبأ خاصة من جهة اختصاصها بخبر العدل وعامة من جهة شمولها لصورتي التمكن من العلم وعدمه فيمكن تخصيص كلّ منهما بالآخر وحيث لا ترجيح وجب التوقف ولم يجز الاستدلال بآية النّبإ على جواز العمل بخبر الواحد في جميع الأحوال حتى في صورة التمكن من العلم اللهم إلا أن يمنع من الدليل على جواز العمل بخبر العدل في صورة عدم التمكن من العلم وحينئذ يكون التعارض بينهما من قبيل تعارض العموم والخصوص المطلقين كما لا يخفى ولكن منع ذلك في المسائل الفقهية بعيد والظاهر اتفاق القوم على جواز العمل به إذا لم يتمكن من تحصيل العلم فيها وحينئذ يكون التعارض بينهما من باب تعارض العمومين من وجه اللهم إلا أن يقال إن إطلاق آية النّبإ ينصرف إلى الغالب وهو يومئذ كان صورة التمكن من العلم فيكون الآية الشريفة على هذا التقدير أخصّ مما دل على منع العمل بالظن وفيه نظر ومنها أن بعض أفراد خبر الواحد مما يجوز العمل به في الشريعة قطعا وهو خبر الشهود أو الشاهدين