السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
346
مفاتيح الأصول
من المسامحة في أدلة السنن والكراهة وبأنه لو وجب المضايقة فيها لضاق الوقت عن تحصيل معظم الأحكام الشرعية بالاجتهاد فتأمل على أنه يمكن دعوى عدم التخصيص بأن يقال ما ذكروه من الشرائط إنما هو للعمل بالخبر ومعلوم أن المسامح في أدلة السنن لا يعمل بالخبر الضعيف بل بما يدل على جواز التسامح فتأمل ومنها أن الإتيان بالفعل الذي دلت الرواية المفروضة على استحبابه وترك الفعل الذي دلت الرواية المفروضة على كراهته احتياط فيكون مستحبا وراجحا أما الأول فلأن الاحتياط عبارة عن الأخذ بالأوثق والإقدام على ما لا يحتمل فيه إلا المنفعة ومحل البحث منه قطعا لا يقال لا نسلم كون ذلك احتياطا لما عرفت من منع بعض الأصحاب عن استحبابه فكما أن الاحتياط يقتضي الإقدام عليه كذلك بقصد التعبد مضافا إلى احتمال كون الإتيان به بقصد القربة تشريعا محرما وإلى ما اشتهر بين متأخري الأصحاب من توقف استحقاق الثواب على نية الوجه ومعلوميته عند المكلف وعدم جواز الترديد في النية وإلى أن الفعل المزبور كما يحتمل رجحانه وترتب الثواب عليه كذا يحتمل مرجوحيته وقبحه وأصالة الإباحة غايتها الرخصة في العمل لا رفع قبحه بحسب الواقع وقد أشار الفاضل البهائي إلى ما ذكر فقال وعلى من تمسك بدليل الاحتياط وفيه نظر لأن احتمال الحرمة في هذا الفعل الذي تضمن الحديث الضعيف استحبابه حاصل كلما فعله المكلف لرجاء الثواب لأنه لا يعتد به شرعا ولا يصير منشأ لاستحقاق الثواب إلا إذا فعله المكلف بقصد القربة ولاحظ رجحان فعله شرعا فإن الأعمال بالنيات وفعله على هذا الوجه مردد بين كونه سنة ورد الحديث بها في الجملة وبين كونه تشريعا وإدخالا لما ليس من الدين فيه ولا ريب أن ترك السنة أولى من الوقوع في البدعة ليس الفعل المذكورة دائرا في وقت من الأوقات بين الإباحة والاستحباب ولا بين الكراهة والإباحة فتاركه متيقن السلامة وفاعله متعرض للندامة على أن قولنا بدورانه بين الحرمة والاستحباب إنما هو على سبيل المماشاة وإرخاء العنان وإلا فالقول بالحرمة من غير ترديد ليس من السداد ببعيد والتأمل الصادق على ذلك شهيد انتهى لأنا نقول الوجوه المذكورة لا تمنع من كون ما ذكرناه احتياطا أما الأول فلأن المانع من الاستحباب لم يحكم بالحرمة وإنما غاية كلامه نفي الحكم بالاستحباب باعتبار عدم الدليل وحيث كان الاستحباب محتملا وكان الأمر دائرا بينه وبين الإباحة فكان الإتيان به مأمون الضرر وتركه محتملا لتفويت المنفعة فكان الإتيان به احتياطا وأما الثاني فللمنع من صدق التشريع في محل البحث لأنه عبارة عن إدخال ما يعلم أنه ليس من الدين فيه عمدا ومن المعلوم أن المفروض ليس كذلك ولو كان تشريعا للزم أن لا يتحقق احتياط في العبادات باعتبار الجهل بالحكم الشرعي والتالي باطل بالظاهر وبالإجماع وأما الثالث فللمنع منه بل التحقيق أن نية الوجه غير لازمة سلمنا ولكنها إنما تلزم حيث يتعين الوجه وأما مع الشك كما في محل البحث فلا سلمنا ولكن بعد تسليم كون المفروض احتياطا مستحبا يتعين الوجه ولا يكون ترديدا في النية لأن المكلف إنما يقصد امتثال الأمر بالاحتياط المعلوم لا الأمر بالفعل الغير المعلوم كما لا يخفى وأما الرابع فلأن محل البحث انتفاء احتمال المرجوحية باعتبار العلم به وبالجملة إنكار صدق الاحتياط في محل البحث غير صحيح ولذا قد تمسك جدي رحمه الله بقاعدة الاحتياط على هذا القول وتمسك بها أيضا بعض العامة فقال بعد نقل الإشكال في استحباب العمل بالخبر الضعيف في فضائل الأعمال إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الكراهة والحرمة فإنه يجوز العمل به ويستحب لأنه مأمون الخطر ومرجو النفع إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب والاحتياط العمل به ويستحب رجاء الثواب ثم قال لا يقال الحديث الضعيف لا يثبت به شيء من الأحكام الخمسة وانتفاء احتمال الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة والإباحة حكم شرعي فلا يثبت بالحديث الضعيف وحاصل الجواب أن الجواز معلوم من الخارج والاستحباب معلوم من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين فلم يثبت شيء من الأحكام من الحديث الضعيف بل أوقع الضعف شبهة الاستحباب فصار الاحتياط أن يعمل به واستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع وأما الثاني فلوجوه الأول إطلاق الأخبار منها النبوي المرسل دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ومنها خبر القسم الجعفري عن الرضا عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لكميل بن زياد أخوك دينك احتط لدينك بما شئت ومنها خبر عنوان البصري عن الصادق عليه السلام خذ الاحتياط في جميع أمورك ما تجد إليه سبيلا ومنها المرسل عن الصادق عليه السلام لك أن تنظر الجزم وتأخذ الحائطة لدينك لا يقال هذه الأخبار ضعيفة السند فلا يجوز الاعتماد عليها في إثبات حكم يخالف الأصل لأنا نقول ضعف السند هنا غير قادح لانجباره بالشهرة العظيمة التي لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف لو كان ولا يقال مقتضى إطلاق الأخبار المذكورة وجوب الاحتياط في جميع موارده وهو خلاف الإجماع فيجب تقييده بالموارد التي يمكن المصير إلى القول بوجوب الاحتياط فيها ومن المقطوع به أن محل البحث ليس منها وحينئذ لا يجوز التمسك به فيه إلا أن يحمل الأمر في الأخبار المذكورة على مطلق الرجحان أو على الاستحباب ولكنهما مجازان والتقييد أولى منه لأنا نقول المجاز وإن كان مرجوحا بالنسبة إلى التقييد بمقتضى القاعدة ولكنه هنا أولى لاستلزام التقييد هنا خروج أكثر الأفراد و