السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
347
مفاتيح الأصول
هذا التقييد مرجوح بالنسبة إلى المجاز ولأن التجوز في الأمر بحمله على النّدب في أخبار الأئمة أولى من ارتكاب التقييد لغلبة الأول بالنسبة إليه حتى ادعى جماعة صيرورته فيها من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة ولظهور فهم الأصحاب منها الرّجحان المطلق والإنصاف أن جميع الوجوه المذكورة محل مناقشة فتأمل الثاني إن حسن الاحتياط ورجحانه مما يشهد به العقول فإن من أقدم على الفعل الموصوف كان عقلا ممدوحا مستحسنا مقربا إلى من يطلب قربه مأجورا محكوما باستحقاقه ما يترتب عليه من الثواب في الواقع إن صادفه وباستحقاقه الثواب وإن لم يصادفه ولم يكن هذا الفاعل عندهم كمن أقدم على مباح ويشهد بهذا طريقتهم وسجيتهم وأقوالهم ويحكم به من لا يتدين بشريعة ولا يأخذ بطريقة وقد بلغ هذا مبلغا في الوضوح يكاد يلحق بالبديهيات ويسلك في سلك الضروريات وحينئذ ينبغي أن يحكم بكون ذلك راجحا شرعا بناء على مذهب العدلية من التطابق بين الشرع والعقل الثالث ظهور اتفاق الأصحاب على رجحان الاحتياط ومنها جملة من الروايات وفيها الصحيح وغيرهما مما ينجبر قصوره بعمل الطائفة على ما ادعاه جماعة منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال من بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله شيء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله ومنها الحسن كالصحيح لهشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال من سمع شيئا من الثواب على شيء وصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه ومنها خبر صفوان عن أبي عبد الله قال من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخبر فعمل به كان له أجر ذلك وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله ومنها خبر محمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال من بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله شيء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي صلى الله عليه وآله كان له ذلك الثواب وإن كان النبي صلى الله عليه وآله لم يقله ومنها خبر آخر لمحمد بن مروان قال سألت أبا جعفر عليه السلام يقول من بلغه ثواب من الله على عمل ففعل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أداه وإن لم يكن الحديث كما بلغه ومنها المروي عن ابن طاوس في كتاب الإقبال عن الصادق عليه السلام قال من بلغه شيء من الخير فعمل به كان ذلك له وإن لم يكن الأمر كما بلغه ومنها ما أشار إليه ابن فهد في عدة الداعي فقال روى الصدوق عن محمد بن يعقوب بطرقه إلى الأئمة عليهم السلام أن من بلغه شيء من الخير فعمل به كان له من الثواب ما بلغه وإن لم يكن الأمر كما نقل إليه ومن طريق العامة ما رواه عبد الرحمن الجلواني مرفوعا إلى جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من بلغه عن الله فضيلة فأخذ بها إيمانا بالله ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك انتهى ويظهر من الرعاية ولك ورق والوجيزة للبهائي والأربعين والذخيرة والوسائل أن حجة الأصحاب فيما ذهبوا إليه من التسامح هذه الروايات قال بعض الأجلة بعد الإشارة إليها وهي متلقاة بالقبول انتهى لا يقال التمسك بهذه الأخبار في هذه المسألة غير جائز لأنها مسألة أصولية لا يجوز التمسك فيها بما يفيد الظن ولا ريب أن الأخبار المزبورة لا تفيد إلا الظن فلا يجوز التمسك بها وقد أشار إلى هذا الفاضل الخوانساري في المشارق على أن كثيرا منها لا تصلح للحجية لضعف السند والجابر له غير معلوم لما عرفت من التأويلين لما ذكره المعظم من الحكم بالتسامح لأنا نقول المعتمد عندنا كفاية الظن في المسألة الأصولية سلمنا ولكن نمنع كون المسألة أصولية وإنما تصير مسألة أصولية لو كان المقصود إثبات كون الخبر الضعيف دليلا على استحباب الفعل ككون الخبر الصحيح دليلا على وجوبه ومن الظاهر أن ليس القصد ذلك بل المقصود الحكم باستحباب الفعل الذي ورد فيه الخبر الضعيف الدال على استحبابه بحسب الظاهر كالحكم بأصالة وجوب الأخذ بظاهر يد المسلم وطهارة الماء ونحوهما ولا شك في أنه يعتبر فيهما أخبار الآحاد المعتبرة فكذا في هذه المسألة إذ لا فرق بينهما إذ كما أن ظاهر اليد وعدم العلم بالنجاسة سببان للحكم بحسب الظاهر بالملكية والطهارة كذلك ورود الخبر الضعيف سبب للحكم باستحباب الفعل بحسب الظاهر فتدبر ولعله لما ذكرنا لم يناقش جملة من المناقشين في الاستدلال بالأخبار المزبورة من هذه الجهة ولا يقال نمنع من دلالة الأخبار المذكورة على المدعى لما ذكره جماعة من أن مفادها أنه إذا روي أن في العمل الفلاني ثواب كذا مثلا فعمل أحد ذلك العمل رجاء ذلك الثواب فإنما يؤتى به وإن كان ما روي خلاف الواقع لا أنه إذا روي أصل العمل أيضا لكان الآتي به مثابا والفرق بينهما ظاهر وأيضا هي مخصوصة بما إذا صرح بالثواب ففيه فلا تشمل ما يدل على ترتب الثواب فيه بالالتزام كان يتضمن الأمر بالفعل سلمنا العموم لكن نقول غاية ما يستفاد منها أن الفعل المحكوم بترتب الثواب عليه إذا أتى به كان مثابا عليه وليس فيها دلالة على جواز العمل بالخبر الضعيف عن جماعة ما صورته قد اعتمد على هذا الاستدلال الشهيد الثاني وجماعة من المعاصرين وعندي فيه نظر إذ الأحاديث المذكورة إنما تضمنت ترتب الثواب على العمل وذلك لا يقتضي طلب الشارع له وجوبا ولا استحبابا ولو اقتضى ذلك لاستندوا في وجوب ما تضمن الخبر الضعيف وجوبه إلى هذه الأخبار كاستنادهم إليها في استحباب ما تضمن الخبر الضعيف استحبابه وإذا كان الحال كذلك فلقائل أن يقول لا بد من شرعية ذلك العمل وخيريته بطريق صحيح ودليل مسلم جمعا بين هذه الأخبار وبين ما دل على اشتراط العدالة في الراوي لأنا نقول منع دلالة الأخبار المذكورة على ذلك ضعيف جدا إما لفهم الأصحاب كما يظهر من جماعة كون المقصود من تلك الأخبار ما ذكروه وهو حجة وإن خالف الظاهر أو لبعد احتمال الجماعة لعدم ترتب