السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

334

مفاتيح الأصول

كان ما ذكره الكليني مما يصح أن يعول عليه ويجعل أصلا في الحكم بصحة أخبار الكافي لما حسن منهم ذلك بل كان عليهم أن ينهوا على أن ما ذكره أصل لا ينبغي العدول عنه هذا وقد اتفق لجماعة من القدماء كالمفيد وابن زهرة وابن إدريس والشيخ والصدوق الطعن في بعض أخبار الكافي بما يقتضي أن لا يكون غيره محل الاعتبار وقد ذكرت عباراتهم في الوسائل وتأويل جماعة من الفضلاء كالأمين الأسترآبادي والشيخ يوسف البحراني وغيرهما كلام الشيخ والصدوق في مقام الطعن على ما ذكر بحمله على ما لا يقتضي الطعن ولا القدح في الحكم بصحة ما في الكافي من الأخبار بعيد عن الصواب فإن عبارتهما في غاية الظهور في الطعن في السند لا يقال لا يقدح ما ذكر في جواز الاعتماد على ما ذكره الكليني لمعارضته بمصير الأخباريين إلى كونه مفيدا للعلم وأن جميع ما في الكافي من الأحاديث مقطوع الصحة ومعلوم الصدور لأنا نقول لا يصح المعارضة المذكورة جدا فإن الأخباريين على ما ذكرت يدعون القطعية وهي دعوى فاسدة جدا والدعوى الفاسدة لا يجوز أن يقابل بها دعوى أعيان العلماء المشتهرين بالفضل ودقة النظر والورع والتقوى هذا وقد يستدل بالإجماع المركب على ترك العمل بقول الكليني وذلك لأن كل من أخذ به ادعى قطعيته وكل من لم يأخذ به لم يدع ذلك ولما كان الأول باطلا تعين المصير إلى الثاني إذ التفصيل بالمنع من القطعية وجواز الأخذ به وجعله أصلا لم يقل به أحد وفيه نظر وتأمل ولا يقال يحصل مما ذكره الكليني سكون النفس والاعتقاد الراجح بصحة جميع ما في الكافي فيلزم الحكم بها أما الأول فلأنه معلوم وجدانا وعيانا وأما الثاني فلصدق لفظ العلم على هذا الاعتقاد عرفا ولغة وكل علم يجب الاعتماد عليه لأنا نقول نمنع المقدمة الأولى بعد ملاحظة ما ذكرناه وكيف يحصل اطمئنان النفس بما قاله ثقة الإسلام ولم يحصل الاطمئنان بما عليه المعظم المؤيد مما تقدم إليه الإشارة وما هذا لا تحكم صرف ومضادة ظاهرة بل التحقيق أن سكون النفس إلى ما عليه المعظم أزيد من سكونها إلى ما عليه الواحد اللهم إلا أن يقوم دليل قطعي وما يقرب منه على خلاف ما عليه المعظم وذلك معلوم وجدانا سلمنا المقدمة الأولى ولكن نمنع من إطلاق لفظ العلم على مطلق ما يطمئن النفس إليه أو الاعتقاد الراجح الشامل للظن حقيقة بل هو حقيقة في الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه شك ولا يعتريه ريب مطلقا ولو بحسب العادة وذلك لتبادره عند الإطلاق وصحة سلب لفظ العلم عن الظن وجعله مقابلا للعلم في العرف والعادة وعدم صحة امتثال الأمر المعلق على العلم بتحصيل الظن ولغير ذلك وبالجملة لا شبهة في أن لفظ العلم موضوع لمعنى غير ما وضع له لفظ الظن وذلك المعنى هو الذي ذكره الأصوليون والمتكلمون واحتمال أن ذلك من مصطلحاتهم مما يقطع بفساده ولو كان كذلك لأشاروا إلى المعنى اللغوي وصرحوا بمخالفته للمعنى المصطلح عليه بينهم كما هو طريقتهم في سائر الألفاظ التي لهم فيها اصطلاح خاص نعم قد شاع إطلاق لفظ العلم على الظن خصوصا إذا كان غالبا أو كان مما علم حجيته كالظنون التي جرت العادة باعتبارها ولذا قد يتوهم أن الأسباب المفيدة لتلك الظنون مفيدة للعلم لكن مجرد شيوع الإطلاق غير كاف في حمل اللفظ عليه كما لا يخفى سلمنا أن لفظ العلم موضوع لمعنى يشمل مطلق ما يطمئن النفس إليه ولكن نمنع من حجية ذلك على الإطلاق ونطالب من يدعي حجيته بالدليل وإنما نسلم حجية الفرد الذي فيه الجزم وهو الذي فسر به العلم في كلام الأصوليين والمتكلمين وذلك لأن البديهية تشهد بحجيته ولذا يقبح العقلاء من يطالب دليل حجية هذا القسم وهذا الوجه غير جاز في الفرد الآخر وهو الذي يسمى بالظن ولذا يحسن من يطالب دليل حجيته لا يقال الدليل على حجية الفرد الآخر موجود وهو الدليل العقلي الذي تمسك به بعض المحققين على أصالة حجية كل ظن لأنا نقول لو سلم نهوض ذلك الدليل لإثبات الأصل المزبور فإنما نسلمه في الظن الذي لم يحصل الظن الأقوى بعدم حجيته وأما فيه فلا ومنه الظن المستفاد من خبر الكليني لما عرفت من الأمارات التي تقدح في حجيته ولو منعنا من تلك الأمارات فنقول ذلك الدليل لم يفد حجية الظن على الإطلاق بل الظن الذي يلزم من منع حجية العسر والحرج ولا شك أن الذي يستفاد من خبر الكليني ليس بهذه المثابة لأن منع حجيته لا يلزم منه ذلك لأن تحصيل الظن الأقوى منه غالبا ممكن وهو الحاصل من الخبر الموجود في الكتب الأربعة وسائر كتب الأحاديث المعتبرة مع اتصافه بالصفات التي تورث زيادة الظن بالصدق كالصحة والموافقة لعمل الأكثر ونحو ذلك والنادر حكمه حكم المعدوم فلا يعتبر فتأمل وبالجملة الاعتماد على ما ذكره الكليني ودعوى صحة ما في كتابه وإثبات الأحكام الشرعية بمجرد مقالته جرأة عظيمة في الشريعة خصوصا على القول بمنع حجية الشهرة والاستقراء لأن ما دل على عدم حجيتها يدل على عدم حجية ما ذكره بطريق أولى لأن الظن الحاصل منهما أقوى من الحاصل منهما أقوى من الظن الحاصل مما ذكره كما لا يخفى فتأمل وينبغي التنبيه على أمرين الأول توهم بعضهم أن كل ما يرويه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه من الأحاديث صحيح لا يحتاج إلى معرفة حال رواته لأنه صرح في أول الكتاب بصحة ما