السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
335
مفاتيح الأصول
وادعى أن جميع أخباره مستخرجة من الأصول المعتمد عليها فقال وسألني أن أصنف له كتابا في الفقه والحلال والحرام والشرائع والأحكام يشتمل على جميع ما صنف في معناه وأترجمه بكتاب من لا يحضره الفقيه ليكون إليه مرجعه وعليه اعتماده وبه أخذه ويشترك في أجره من ينظر فيه وينسخه ويعمل بمودعه هذا مع نسخه لأكثر ما صحبني من مصنّفاتي وسماعه لها وروايتها عني ووقوفه على جملتها وهي مائتا وخمسة وأربعون كتابا فأجبته أدام اللَّه تعالى توفيقه إلى ذلك لأني وجدته أهلا له وصنفت هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلا يكثر طرفه وإن كثرت فوائده ولم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره وتعالت قدرته وجميع ما فيه مستخرجة من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع ثم أشار إلى جملة منها ثم قال وبالغت في ذلك جهدي انتهى والحق بطلان التوهم المزبور للمنع من جواز الاعتماد على أخبار الصدوق بالصّحة وقد تقدم وجهه على أنا نمنع من دلالة كلامه على دعواه العلم بصدور جميع ما في كتابه عن الأئمة المعصومين عليهم السلام وقوله ما أفتي لا يدل عليه وكذا قوله وأحكم بصحته وقوله أعتقد إلى آخره وقوله ليكون إليه إلى آخره وقوله جميع ما فيه مستخرج إلى آخره أما الأول فلأن الفتوى بشيء كما يكون باعتبار العلم بالصدور كذلك يكون باعتبار كونه حجة شرعية تعبدا كأصالة الطهارة ويد المسلم فإذا كان ذلك أعم فليس فيه دلالة على الأول لأن العام لا يدل على الخاص بشيء من الدلالات وأما الثاني فلما أشار إليه جدي رحمه الله فقال أما ما ذكره الصدوق ففيه أن قوله وأحكم بصحته لا شهادة له على شهادته بالصّحة بل الظاهر أنه من اجتهاده ولا تأمل فيما ذكرنا عند المتأمل بل عند المتتبع في أحوال الصدوق يحصل القطع بأنه ربما يحكم بالصحة بسبب حكم شيخه ابن الوليد بها ثم قال إن كون الصحيح بمعنى قطعي الصدور خلاف ظاهر عبارة الشيخ في أول التهذيب وصريحها في أول الإستبصار وكذا خلاف ظاهر قولهم أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم على ما أشرنا إليه قال شيخنا البهائي في أول كتاب مشرق الشمسين كان المتعارف بين القدماء إطلاق الصحيح على كلّ حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه واقترن بما يوجب الوثوق به الرّكون إليه وذلك لأمور انتهى كلامه والأمر التي ذكرها لا شهادة فيها على القطع بالصدور عن المعصوم عليه السلام والظاهر من عبارات بعضهم أن إطلاق الصّحيح عندهم ليس بمعنى قطعي الصدور ومنه أن الصّدوق ربما يظهر منه عدم قطعه بصدور الحديث الذي أفتى به في الفقيه مع أنه قال في أوّله إن كلما أفتي به يحكم بصحته ثم استشهد على ذلك بجملة من كلمات الصدوق في الفقيه وقد حكيناها في الوسائل ثم قال رحمه الله وبالجملة المنصف إذا تتبع الفقيه وتأمله لا يبقى له مجال للتأمّل فيما ذكرنا ومما يدل على أن الصّحيح عند القدماء ليس بمعنى قطعي الصّدور إنهم مثل الشيخ وغيره كانوا يعملون بأخبار الآحاد كما أشير إليه في الجملة وسنذكره مبسوطا وظاهر أن ما عملوا به وجعلوه حجّة صحيح عندهم واعترف المحققون من المجتهدين والأخباريين بأن الخبر عند القدماء كان على ضربين صحيح وضعيف وهذا هو الظاهر من كلماتهم ونشير إليه أنهم كثيرا ما يقدحون في الحديث بما يوجب الضعف وعدم الحجية وترك العمل به ثم يقولون ولو صح لكان محمولا على كذا وكذا أوردنا لك بعض ذلك وسنشير إلى بعض آخر ومما يدل على ذلك أيضا أنهم كثيرا ما يبنون صحة حديثهم على الظنون مثل قول شيخهم أو اعتماده عليه أو عدم منعه عن العمل به وروايته إياه ومما يدل عليه أن الحديث الذي له شاهد من الكتاب أو السّنة مثلا كان عند القدماء صحيحا قطعا ولا خفاء فيه مع أنه بمجرد ذلك لا يقطع بالصدور وبالجملة لو تتبع الإنسان أقوالهم وكتبهم سيما كتاب الرجال لم يبق له شك في فساد ما نسب إليهم من كون الصحيح بمعنى قطعي الصدور انتهى وأما الثالث والرابع والخامس فواضح الثاني قال السيد الأستاذ رحمه الله ونعم ما قال خلو الكتب الأربعة عن رواية لا ينفي حجيتها إذ ليس من شرائط حجية الخبر وجوده في هذه الأربعة كيف وقصر الحجية على ما فيها من الأخبار يقتضي سقوط غيرها من الكتب عن درجة الاعتبار مع أن كثيرا منها يقرب من هذه الأربعة في الاشتهار ولا يقصر عنها بكثير في الظهور والانتشار كالعيون والخصال والإكمال من مصنفات الصدوق وغيرها من الكتب المعروفة المشهورة الظاهرة النسبة إلى مؤلفيها الثقات الأجلة وعلماء الطائفة ووجوه الفرقة لم يزالوا في جميع الأعصار والأمصار يستندون إلى هذه الكتب ويفرغون إليها فيما تضمنته من الأخبار والآثار المروية عن الأئمة الأطهار عليهم السلام ولم يسمع من أحد منهم الاقتصار على الكتب الأربعة ولا إنكار الحديث لكونه من غيرها وإقبال الفقهاء على تلك الأربعة وأكبابهم عليها ليس لعدم اعتبار غيرها عندهم بل لما في الأربعة من المزية الظاهرة والفضيلة الواضحة التي اختصت بها من بين الكتب انتهى مفتاح قال السيد الأستاذ رحمه الله ونعم ما قال عدم تعرض الأصحاب لرواية في مسألة ليس من القدح في شيء فإن الرواية متى صلحت للاحتجاج وصح التمسك بها لم يتوقف على سبق الاحتجاج بها من غير هذا المستدل كيف ولو كان كذلك لوقفت الأدلة على المستدل الأول وامتنع التعدي عنه بتكثير الأدلة وتحقيق المسائل ولوجب القدح في أكثر الاحتجاجات المذكورة في كتب الأصحاب فإن المتأخرين عن الشهيد الثاني قد زادوا عليه كثيرا وهو قد زاد على الشهيد الأول وقد زاد