السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

333

مفاتيح الأصول

ذلك أن يكون في بعض ما أجمعوا عليه ظاهر كتاب يتناوله أو طريقة تقتضي العلم مثل أن يكون ما ذهبوا إليه هو الأصل في العقل فيصح التمسك به مع فقد الدليل الموجب للانتقال عنه إلى أن قال فإن اتفق شيء من ذلك في بعض المسائل جاز الاعتماد عليه من حيث كان طريقا إلى العلم وصار نظيرا للإجماع الذي ذكرناه في جواز الاعتماد عليه فتأمل على أنا لو سلمنا كون الصحيح عند القدماء بمعنى قطعي الصدور لكن نقول لا يستلزم قطعهم حصول القطع لغيرهم وهذا في غاية الظهور سيما مع ملاحظة ما صدر منهم الغفلات والاشتباهات ووقع منهم من الاضطرابات في المقامات وخصوصا مع ملاحظة ما أشرنا إليه آنفا من الشيخ وغيره في قطعية الخبر إذا كان له شاهد من الكتاب وغيره هذا مع مشاهدة شدة الاختلاف بينهم في تصحيح الأحاديث وتضعيفها بل نقول هؤلاء مع معرفتهم بأحوال الأحاديث ومهارتهم فيها وقرب عهدهم كثيرا ما يضعف كل واحد منهم الأحاديث التي صححها الآخر فإذا كان هؤلاء هكذا حالهم فكيف يحصل النافي أمثال زماننا القطع بصدور الأحاديث ألا ترى أن الكليني مع بذل جهده في مدة عشرين سنة ومسافرته إلى البلدان والأقطار وحرصه في جمع آثار الأئمة عليهم السلام وقرب عصره إلى الأصول الأربعمائة والكتب المعمول عليها وكثرة ملاقاته ومصاحبته مع شيوخ الإجازات والماهرين في معرفة الأحاديث ونهاية شهرته في ترويج المذهب وتأسيسه لم يورد في الكافي جميع ما صححه وعمل به غيره من المشايخ وغيرهم وكذلك الصدوق لم يورد جميع ما صححه الكليني والشيخ وغيرهما مع أن في كان عنده وربما كان يأخذ منه ولم يأخذ الكل انتهى وأما الثالث فللمنع من دلالته على ذلك أيضا كما أشار إليه الفاضل الشوشتري فإنه قال في مقام الرد على من ينسب تحريم الاجتهاد إلى القدماء وقد ينسبون هؤلاء الجهلة وهمهم إلى القدماء كابن بابويه وغيره حيث أنهم لم يذكروا في كتبهم هذه الفروع الفقهية ولم يدروا أنه لا يلزم من عدم الذكر الإنكار فإن كل طائفة يشتغلون بشيء إذ فيه بقاء نظام نوع الإنسان فبعضهم يشتغلون بجمع الحديث وبعضهم يشتغلون ببيان مدلولات الأحاديث وهم الفقهاء وبعضهم يشتغلون بتحرير مسائل النحو وبعضهم بالصرف وهكذا ولا يلزم من هذا أن يكون كل طائفة منكرا لما يشتغل به الطائفة الأخرى فإن الله تعالى جعل بحكمته رغبة القدماء في جمع الحديث إذ لو لم يجمعوه لاندرس بعد زمان الغيبة وجعل رغبة بعض المتأخرين في تحرير المسائل الفقهية والجمع بين الأخبار والإفتاء بما يخالف العامة وتقييد المطلق بالمقيد وتخصيص العام بالخاص وهكذا إذ لو لم يفعلوا ذلك لتفرق المذاهب تفرقا غير محصور فإن بعض الأخبار يدل على الجبر وبعضها على التشبيه وبعضها على جواز الخطاء على الأنبياء وبعضها على عدمه وبعضها على غسل الرجلين في الوضوء وبعضها على جواز الوضوء باللبن إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة فلو لم يفعلوا ما فعلوا واقتصروا على مجرد نقل الأحاديث لم يمكن ذلك في مثل عصرنا هذا لبعده عن زمان المعصوم عليه السلام وخفاء القرائن فيه مع أن ابن بابويه أيضا ربما ذكر في النهاية فتاوى من قبيل اجتهادات المتأخرين بل ما لم يفعله المتأخرون أيضا يظهر ذلك لمن تأمل في اختلافاته مع الفضل بن شاذان ويونس بن عبد الرحمن في كتاب المواريث انتهى الخامس أنه قد ذكر في الكافي أحاديث لا يجوز الاعتماد عليها كأحاديث الجبر والتفويض وسهو النبي صلى الله عليه وآله وغيرها وهو دليل على رجوعه عما أخبر به في أول الكتاب فيه من الأخبار الصحيحة التي يجوز العمل بها كما هو مراد السائل أو دليل على أن مقصوده اشتمال الكافي على ما قصده السائل لا أن جميع ما فيه منها وعلى أي تقدير لا يصح الاعتماد على ما ذكره لتأسيس الأصل الذي هو محل البحث لا يقال هنا احتمال آخر يصح معه دعوى الأصل المزبور وهو تخصيص ما ذكره بذكر تلك الأحاديث ولا قدح فيه فإن أكثر العمومات مخصصة بل هذا الاحتمال أرجح من الاحتمالين الأولين فإذن يجب في المشكوك فيه الرجوع إلى الأصل المستفاد من ظاهر كلامه لأنا نقول الاحتمال الأول أرجح من هذا الاحتمال بالنسبة إلى المصنفين كما لا يخفى لا يقال يدفع الاحتمال الأول قوله قد يسر الله تعالى فإنه ظاهر في أن وضع الديباجة بعد تأليف الكتاب وهو ينافي الرجوع لأنا نقول المجاز بالمشارفة مجاز شائع بل لا بعد في أن يعد في أمثال المقام من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة ومما يؤيد رجوعه إكثاره الرواية عن غير المعصوم عليه السلام على ما ذكره جدي رحمه الله فإنه قال علي أن الكليني أيضا قد أكثر في الكافي من الرواية عن غير المعصوم عليه السلام ثم ذكر جملة من شواهد ذلك ثم قال وبالجملة إيراده الأخبار عن غير المعصوم عليه السلام في غاية الكثرة انتهى ثم إنا لو سلمنا مرجوحية الاحتمال الثالث لكن لا نسلم مرجوحية الاحتمال الثاني بالنسبة إليه هذا وعدم تنبيه الكليني عند ذكره الأخبار التي لا يجوز الاعتماد على خروجها عما ذكره في أول الكتاب شاهد على بطلان الاحتمال الثالث كما لا يخفى السادس أن الذي عليه محققو أصحابنا عدم حجية ما ذكره الكليني إذ لم يعتمدوا على رواية مروية في الكافي ولا صححوها باعتبار أن الكليني أخبر بصحة ما في الكافي بل شاع بين المتأخرين تضعيف كثير من الأخبار المروية فيه سندا ولو