السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
329
مفاتيح الأصول
عما نحن فيه انتهى لأنا نقول هذا إقرار من الخصم وكم يتفق مثل هذا في مقام المناظرات والمشاجرات لكن لو بنينا الأمر على التصديق لمن يدعي العلم بمجرد دعواه لانسد باب الشريعة ولزم إفحام الأنبياء عليهم السلام إذ غاية ما يحصل منهم المعجزة وإلقاء البرهان على البناء المذكور يجوز للخصم أن يقول أين علمت بالخلاف وإن لم أكن عالما بسببه والتحقيق أن يقال أن دعوى العلم إذا اتفقت من شخص فلا يسمع منه ولا يعذر مطلقا بل يلاحظ فإن كانت العادة تقضي بفسادها فلا تقبل منه وتكذب بل قد يحكم بجنونه وإن جوزتها العادة منه فيعذر فيها ولذا ترى أن العقلاء يحكمون بفساد عقل من يدعي العلم بسقوط السقف الصحيح المحكم وبتكذيب من يدعي حصول العلم من خبر الكذوب مجردا عن القرائن أو من خبر مجهول الحال كذلك ولا يحكمون بفساد عقل من يدعي العلم بموت زيد وقيام عمرو وسقوط السقف المسائل ثم إن العادة لا يراد بها عادة عامة الناس في جميع الدعاوي العلمية بل عادة أهل الحرفة التي ينتسب إليها المدعي ويدعي العلم في مسألتها فالنحوي إذا ادعى العلم في مسألة نحوية استكشف صدق دعواه بالرجوع إلى النحاة فإن كذبوا مدعي العلم ولم يطالبوه بالدليل لزم الحكم بكذبها وإن تأملوا في دعواه لم يحكم به ولا يعتبر فيه عدم تكذيب العامي له لعدم أنسه ومزاولته لتلك الحرفة فلا يحصل له العلم بما هو الحق في تلك المسألة ولذا ترى أن الفقيه إذا ادعى العلم في مسألة فقهية وأسند علمه إلى فتوى فقيه شاذ نادر يكذبه الفقهاء في دعواه وأما إذا عرض على العوام فلا يكذبونه بل قد يحصل لهم الجزم واطمئنان النفس بفتواه كما هو الحال في كثير من أهل التقليد فإنهم جازمون بصحة فتوى المفتي جزما يزيد على جزم المفتي لو كان له جزم ونحوهم العوام الذين يراجعون كتب الحديث والفتوى فإنهم بمجرد النسبة يجزمون بالصحة ومثل هذا لا يعد علما ولا معتبرا عند العقلاء لأن العلم هو الذي لا يزول بأدنى التفات وتأمل واحتمال ولا يجوز فرض وقوع خلافه ما دام هو عالما ولذا لا يصح أن يقول رجل هذا معلوم عندي الآن لكن إذا أخبرني ثقة بأنه ليس كذلك يرتفع لأن هذا منه تجويز للخلاف فقد ظهر أن مجرد الاطمئنان وسكون النفس ليس علما لأنه قد يحصل من المسامحة وعدم التدبر والالتفات ولأنه لو كان علما لما صح ذم الكفار بتقليد آبائهم بقوله تعالى إنا وجدنا آباءنا الآية ولما حسن من الأئمة عليهم السلام عد العامة من أهل الظنون والشكوك والشبهة للقطع بحصول الاطمئنان وسكون النفس لهم فيما يعتقدونه ولأنه لو كان علما لجاز للعوام ترجيح المسائل الفقهية بالاعتبارات العقلية لأنه قد يحصل الاطمئنان لهم بها كما يحصل بمجرد الرجوع إلى الكتب المؤلفة في الحديث والفقه وفساد هذا غني عن البيان إذ فيه هدم الشريعة وانتفاء فائدة البعثة ولم يثبت من الصحابة وأصحاب الأئمة عليهم السلام الاعتماد على هذا نعم دعوى اعتمادهم على الظن الذي يدعي الخصم حرمة العمل به وجيهة لكن لا يجوز جعله حجة شرعية في اعتبار الظنون لأن ما اعتمدوا عليه لم يعلم أنه أي شيء وإنما الحاصل من طريقتهم العمل بالظن في الجملة فالمعتبر في العلم الذي لا يطالب بحجيته هو الجزم الذي لا يزول بأدنى تشكيك وهذا لا يحصل من خبر الثقة مجردا عن القرينة ولذا صار أكثر الأصوليين إلى عدم إفادته العلم نعم يحصل الاطمئنان الظني وهو الذي يجوز معه الخلاف دون الاطمئنان العلمي الذي لا يجوز معه الخلاف مطلقا ولو كان عاديا لا يقال كيف يدعى أن العلم العادي لا يجوز معه الخلاف والحال أنهم قد صرحوا بأنه يحتمل فيه النقيض وجعلوه وجه الفرق بين العلم العقلي والعادي لأنا نقول تجويز النقيض إن كان باعتبار الإمكان الذاتي فهو متحقق في العلم العادي دون العقلي وهو وجه الفرق بينهما وإن كان باعتبار الوقوع الخارجي فلا يتحقق في العلم العادي ومما ذكر اندفع دعوى العلم بصحة أخبار الكتب الأربعة بالمعنى الذي ذكرناه وما قاله الشيخ شهاب الدين وأما ثانيا فلأن تنصيص الجماعة بصحة الأخبار معارض بوجوه الأول عدم اعتناء أكثر العلماء بتنصيصهم وعدم التفاتهم إليه ولو كان ما ذكروه مسلما صحيحا في تصحيح أخبار الكتب الأربعة لتمسكوا به واستغنوا به عن التصنيف في الرجال وكفوا عن الكلام في إسنادها وتوصيفها بالصحيح والحسن وغيرهما وبطلان التالي واضح لمن راجع كتبهم وطريقة أكثر العلماء إن لم تكن في نفسها حجة دافعة للتنصيص المذكور فلا أقل من كونها معارضة له ومع هذا كيف يجوز دعوى العلم بمجرد التنصيص المزبور لا يقال لعل الوجه في التصنيف في الرجال والكلام في أسناد الأخبار أمر لا نعلمه بعينه لأنا نقول هذا تشكيك لا يلتفت إليه إذ من المعلوم أن السبب في ذلك عدم صحتها من تنصيص الجماعة الثاني أنه قد ثبت بالأخبار وشهادة العلماء الأخيار حصول الكذب في الأخبار المروية واختلاط الغث بالسمين فيها واعترف به الخصوم ومن المستبعد عادة بل من المحال قطعا التميز بينهما على وجه لا يحصل الخطاء والزلة سواء كان المميز أرباب الأصول الأربعمائة وأصحاب الكتب الأربعة أم غيرهم وحيث لم يكن الباطل مشخصا ومعينا سرى الاحتمال في الجميع غالبا ولا يكون دفعه إلا بمعرفة صفات الراوي الثالث أن حصول القطع بصحة أخبار الكتب الأربعة بأسرها بعيد عادة لأن القطع غالبا لا يحصل إلا بالتواتر والاحتفاف بالقرائن وتحقق كل منهما في تلك الأخبار