السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
328
مفاتيح الأصول
وهو خلاف الإجماع لأنا نقول نلتزم بالتخطئة حينئذ ولو وقع لم يجز مخالفته بالاجتهاد إلا أنه لم يقع في الشرعيات والإجماع المدعى على خلاف ذلك ظاهر الفساد وقد صرح بما ذكر في المعالم وعلى المختار من إمكان حصول العلم بانضمام القرائن فهل لها حد أو لا التحقيق أنه لا حد لها كالمتواتر على التحقيق والمرجع العادة والقرائن بحسب العادة مختلفة جدا وهل المفيد للعلم نفس الخبر بشرط انضمام القرائن والقرائن بشرط انضمام الخبر أو هما معا كما عليه بعض المحققين فيه إشكال مفتاح اعلم أنه توهم جماعة من أصحابنا أن الأخبار المودعة في الكتب الأربعة الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب وصار كلها قطعية الصدور معلومة الصحة لا يحتاج في الاعتماد عليها إلى معرفة حال رواتها وصفة سلسلة سندها بل يجوز الاعتماد عليها وإن كان في طريقها وسندها الكذاب والمقدوح المطعون زعما منهم أن جماعة من أجلاء الأصحاب كالكليني والصدوق وغيرهم شهدوا بصحتها وهو توهم فاسد أما أولا فلأن مجرد دعوى جماعة قطعية الأخبار سندا لا يلزم حصول القطع بها لغيرهم وان كانوا أجلاء ثقات لا عقلا ولا عادة أما الأول فلأنه لو ثبت الاستلزام العقلي معناه عدم انفكاك أحد الأمرين عن الآخر كما لا يمكن انفكاك الزوجية عن الأربع والجسم عن الحيز وأما بطلان التالي فواضح لأنه يجوز وجود أخبار الجماعة بذلك مع عدم حصول العلم لغيرهم بما أخبروا به مع علمهم وأما الثاني فلأنه لو ثبت الاستلزام عادة لما وقع خلافه والتالي باطل فالمقدم مثله بيان الملازمة أن الاستلزام العادي معناه عدم تحقق أحد الأمرين منفكا عن الآخر في الخارج وإن جاز فرضه عقلا كما يجوز فرض صيرورة الجبال ذهبا ولكنه لم يقع عادة وأما بطلان التالي فلأنه قد كثر حصول القطع بكثير من المطالب لجماعة من الأجلاء والثقات والأساطين وأخبروا بما علموا به ولم يحصل العلم بذلك لغيرهم المطلعين على خبرهم وحالهم ولذا يطالبونهم بدليله ولم يسلموا لهم ما ادعوه بمجرد كونهم عالمين وبهذا جرت سيرة العقلاء واستمرت عليه طريقتهم ولو أصر الخصوم في دعوى الاستلزام لألزمناهم بالقول بحجية الإجماع المنقول إذا نقله جماعة من الأعيان وبلزوم العمل بفتواهم إذا كانوا قاطعين بما أفتوا به لا يقال يلتزمون به لأنا نقول المعلوم من طريقتهم والمعروف من مقالتهم خلاف ذلك كيف وقد شدّدوا الإنكار على من يدعي الإجماع ويثبت الأحكام الشرعية بغير الروايات وما هذا إلا تناقض محض ومضادة صرفة وبالجملة إن كان قطع الغير سببا لحصول القطع للشخص فليكن سببا مطلقا وإلا فلا ولا يقال يجوز أن يحصل العلم بشيء وإن لم يعلم بسببه تفصيلا كما قد يحصل القطع بخبر الثقة وباتفاق الفتاوى وبغير ذلك مما جرت العادة بحصول العلم به والمفروض منه إذ قد حصل العلم لنا بعد علمنا بقطع الجماعة بصحة الأخبار ولم نعلم بسببه أهو الاستلزام العقلي أو العادي أو الإفاضة الربانية والإلهام فهو علم عادي يجوز معه النقيض عقلا وقد صرح بإرادة هذا المعنى من العلم في هذا المقام جملة ممن يدعي قطعية الأخبار منهم الشيخ شهاب الدين فإنه قال اعلم أن لفظ العلم يطلق في اللغة على الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع وهذا يسمى اليقين وعلوم الأنبياء والأئمة من هذا ويطلق أيضا على ما يسكن إليه النفس وتقضي العادة بصدقه وهذا يسمى العلم العادي ويحصل بخبر الثقة الضابط المتحرز عن الكذب وغير الثقة إذا علم من حاله أنه لا يكذب أو دلت القرائن على صدقه ثم قال وليس له ضابط بل مداره على ما يحصل به التصديق والجزم ومراتبه متفاوتة فربما أفاد اليقين عند قوم وما يقرب الظن الغالب عند آخرين بحسب القرائن والأحوال وهذا هو الذي اعتبره الشارع في ثبوت الأحكام عند الرعية وأوجب عليهم العمل بها عند حصوله لهم كما يرشد إليه موضوع الشريعة السمحة وقد عمل الصحابة وأصحاب الأئمة عليهم السلام بخبر العدل الواحد وبالمكاتبة على يد الشخص الواحد بل بخبر غير العدل إذا دلت القرائن على صدقه ولا ينافي هذا الجزم تجويز العقل خلافه نظرا إلى إمكانه كما لا ينافي العلم بحياة زيد الذي غاب عنا لحظة تجويز موته فجأة ومن تتبع كلام العرب ومواقع لفظ العلم في المحاورات جزم بأن إطلاق لفظه على ما يحصل به الجزم عندهم حقيقة وأنه كلي يقال علي أفراده بالتشكيك وإن تخصيصه باليقين فقط اصطلاح حادث لأهل المنطق دون أهل اللغة لبناء اللغة على الظواهر دون التدقيقات وتحقق أن الظن لغة هو الاعتقاد الراجح الذي لا جزم معه أصلا ثم قال والعلم بهذا المعنى قد اعتبره الأصوليون والمتكلمون في قواعدهم ثم قال يدلك على ذلك تعريف السيد المرتضى في الذريعة للعلم بأنه ما اقتضى سكون النفس وهذا التعريف يشمل نوعي العلم أعني اليقيني والعادي فهذا هو العلم فهذا هو العلم الشرعي فإن شئت سمه علما وإن شئت سمه ظنا فلا مشاحة في الاصطلاح بعد أن تعلم أنه كاف في ثبوت الأحكام الشرعية ثم قال وكيف كان فالنزاع في هذه المسألة لفظي لأن الكل أجمعوا على أنه يجب العمل باليقين إن أمكن وإلا كفي ما يحصل به الاطمئنان والجزم عادة ولكن هل يسمى هذا علما حقيقة بأن يكون للعلم أفراد متفاوتة أعلاها اليقين وأدناها ما يقرب من الظن المتاخم له أو حقيقة واحدة لا تتفاوت وهي اليقين وما سواه ظن وذلك