السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

327

مفاتيح الأصول

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله رب العالمين والصلاة على أشرف الأنبياء والمرسلين القول في السنة مقدمة قال السيد الأستاذ قدس سره السنة قول من لا يجوز عليه الكذب والخطأ وفعله وتقريره غير قرآن ولا عادي وما يحكي أحد الثلاثة يسمى خبرا وحديثا وهو قدسي ونبوي وإمامي والكل حجة والغرض منها ما يتعلق بالأحكام انتهى الكلام في خبر الواحد مقدمة اعلم أن خبر الواحد في الاصطلاح هو ما لم يبلغ حد التواتر سواء قلت رواته أو كثرت وصرح بهذا جمع كثير كالمحقق في المعتبر والشهيدين في الذكرى والدراية وابن فهد في المهذب وولد الشهيد الثاني في المعالم والفاضل البهائي في الزبدة والوجيزة والحاجبي في المختصر وغيرهم فيدخل فيه الخبر المعلوم الصدق من غير جهة التواتر والمعلوم الكذب والمظنون الصدق والمظنون الكذب والمحتمل للأمرين احتمالا مساويا وربما عرف خبر الواحد بحسب الاصطلاح بما يفيد الظن فلا يصدق على ما لا يفيد الظن اصطلاحا على هذا وفيه نظر ثم اعلم أن من جملة أفراد خبر الواحد ما يسمى مستفيضا وهو على ما في الذكرى والقواعد والمهذب لابن فهد والوجيزة والمنية وشرح العضدي كما عن الآمدي ما زاد نقلته ورواته على ثلاثة وفي جمع الجوامع المستفيض هو الشائع عن أصل وقد يسمى مشهورا وأقله اثنان وقيل ثلاثة انتهى مفتاح اعلم أنه حكي عن أهل الظاهر القول بأن الخبر مطلقا يفيد العلم وعن بعض أن خبر العدل يفيده والحق خلافهما وفاقا لأكثر المحققين ولهم وجوه الأول ما ذكره في العدة من أن الخبر لو أفاد بنفسه العلم للزم تصديق مدعي الرسالة بمجرد الأخبار من غير طلب إقامة المعجزة الثاني ما ذكره في المعارج من أنه لو أفاد العلم من حيث كونه خبر الإفادة كل خبر ومن جملته الأخبار بأن خبر الواحد لا يفيد العلم الثالث أنه لو أفاده لأدى إلى تناقض المعلومين فيما إذا ورد خبران متناقضان وهو جائز وواقع كثيرا وبطلان التالي واضح الرابع أنه لو أفاده لكان إما باعتبار العقل أو العادة والتالي بقسميه باطل لأنا ما نجد من العقل ما يدل على لزوم إفادته العلم ولا من العادة ما يشهد بإفادته العلم بل نحكم بالخلاف لا يقال نرى العقلاء إذا سمعوا من عادل خبرا بل ومن غيره يتسارعون إلى العمل به حازمين بمضمونه لا يختلجهم الريب ولا يعتبر لهم الشك في ذلك وليس ذلك إلا لكونه بحسب العادة مفيدا للعلم لأنا نقول ذلك غير مطرد في جميع الأخبار بل توقفهم في تصديق العدول وتخطئتهم فيما يخبرون به غير عزيز فدل ذلك على أن الوجه في جزمهم أحيانا حصول القرائن الموجبة لإفادة العلم بانضمام الخبر ونحن لا ننكر أن الخبر قد يفيد العلم بانضمام القرائن الزائدة على مفهوم الخبر وسيأتي إليه الإشارة مفتاح ذهب كثير من المحققين كالعلامة وابنه والسيد عميد الدين والفاضل البهائي وصاحب المعالم والحاجبي والعضدي والبيضاوي كما عن النظام والغزالي والجويني والآمدي والرازي وأكثر الأصوليين إلى أن الخبر قد يفيد العلم إذا انضم إليه القرائن وحكي في المعالم عن قوم أنهم زعموا أنه لا يفيد العلم مطلقا وإن انضم إليه القرائن وحكى الحاجبي والعضدي ذلك عن الأكثر وهو ضعيف بل المعتمد هو القول الأول الذي عليه المعظم ولهم ما تمسك به في المعالم فقال لنا إنه لو أخبر ملك بموت ولد له مشرف على الموت وانضم إليه القرائن من صراخ وخبازة وخروج المخدرات على حال منكر غير معتاد من دون موت مثله وكذلك الملك وأكابر مملكته فإنا نقطع بصحة ذلك الخبر ونعلم به موت الولد نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا لا يتطرق إليه الشك وهكذا حالنا في كل ما يوجد من الأخبار التي تحف بمثل هذه القرائن بل بما دونها فإنا نجزم بصحة مضمونها من حيث لا يخالجنا في ذلك ريب ولا يعترينا فيه شك انتهى لا يقال قد يظهر الخطاء وهو غير ممتنع عقلا وواقع عادة ومع احتماله لا يتحقق العلم وقد أشار إليه المحقق رحمه الله لأنا نقول مجرد ظهور الخطاء أحيانا لا يمنع من حصول العلم فيما لم يظهر عادة ولو كان ذلك مانعا لأدى إلى القول بامتناع حصول العلم العقلي والعادي لإمكان ظهور الخطاء في كل منهما وذلك ما يحكم البديهة ببطلانه وقد اعترف المحقق بعد ما أشار إليه بما اختاره الأكثر فقال ولا أحيل في بعض الأحيان انضمام قرائن كثيرة قوية تبلغ إلى حد يفيد معها العلم انتهى وبالجملة إنكار حصول العلم من الخبر المحفوف بالقرائن مطلقا خلاف البديهة لا يقال لو حصل العلم منه لكان عاديا إذ لا علية ولا ترتب إلا بإجراء الله تعالى عادته بخلق شيء عقيب آخر ولو كان عاديا لاطرد وانتفاء اللازم بين لأنا نقول نمنع من انتفاء اللازم ونلتزم الاطراد في مثله فإنه لا يخلو عن العلم وقد صرح بهذا في المعالم ولا يقال لو أفاد ذلك العلم لأدى إلى تناقض المعلومين إذا حصل الإخبار على ذلك الوجه بأمرين متناقضين فإن ذلك جائز واللازم باطل لأن المعلومين واقعان في الواقع وإلا لكان العلم جهلا فيلزم اجتماع النقيضين لأنا نقول هذا باطل لأن الخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للقطع إذا حصل في واقعة امتنع أن يحصل مثله في نقيضها عادة كما في التواتر وقد صرح بذلك في المعالم ولا يقال لو كان ذلك مفيدا للعلم لوجب القطع بتخطئة من يخالفه بالاجتهاد