السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

317

مفاتيح الأصول

عقلا ولا شرعا وبالجملة فالخطاب بإطلاقه متناول له والفهم الذي هو شرط التكليف حاصل كما هو المقدور من ادعى اشتراط ذلك طولب بدليله ويتفرع على ذلك وصف العبادة الصادرة منه بالصحة وعدمه فإن قلنا إنها شرعية جاز وضعها لأنها عبارة عن موافقة الأمر وأنها تمرينية لم يوصف بصحة ولا بفساد انتهى وهو جيّد بحسب الأصل والقاعدة ويعضده خبر طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال إن أولاد المسلمين موسومون عند الله شافع ومشفع فإذا بلغوا اثني عشر كانت لهم الحسنات فإذا بلغوا الحكم كتبت عليهم السيئات ومنها أن يكون فاهما عالما بالتكليف وبأن من يجب عليه إطاعته كلفه بشيء وأوجب عليه فعلا أو حرمة فلو لم يعلم بذلك باعتبار عدم قدرته على فهم ما يريده لم يتوجه إليه تكليف ولم يمكن أن يكون مكلفا وقد صرح بأن شرط التكليف الفهم في التهذيب وغيره وفي المنية اتفق أكثر العقلاء على أن التكليف مشروط بفهم المكلف وعلمه بما كلف به وفي شرح العضدي أن فهم المكلف للتكليف شرط لصحة التكليف عند المحققين وقد قال به كل من منع تكليف المحال وقد قال به بعض من جوز تكليف المحال أيضا انتهى ولهم وجوه منها ما تمسك به في التهذيب والمبادي وشرحه من النبوي المرسل رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق قال في المنية فإن قلت مدلول هذا الحديث انتفاء التكليف عن هؤلاء الثلاثة وذلك أخص من المدعى وهو انتفاء التكليف عن كل غافل بحيث يندرج فيه السكران والمغمى عليه قلت لا نسلم فإنه وإن لم يدل بمجرده إلا على انتفاء التكليف عن الثلاثة لكنه يدل على انتفاء التكليف عن غيرهم من الغافلين كالمذكورين باعتبار كون العلة في رفع القلم عنهم عدم فهمهم الخطاب بطريق المناسبة وتحقق ذلك في كل غافل فثبت له هذا الحكم ومنها ما أشار إليه في المنية فقال واستدل المصنف على ذلك بوجهين سمعي وعقلي إلى أن قال وأما العقلي فلأن فعل المأمور به مشروط بعلمه بالظاهر إذ الفعل الاختياري لا يصدر إلا عن القصد السابق عليه وهو ممتنع من دون العلم ومنها ما أشار إليه في المنية أيضا فقال بعد ما حكينا عنه سابقا ولأنه لولا ذلك لما صح الاستدلال بأن الأحكام أفعاله تعالى على علمه تعالى وهو باطل اتفاقا ومنها ما أشار إليه في المنية أيضا فقال بعد ذلك ولأن المطلوب من التكليف إيقاع المأمور به على وجه الطاعة والامتثال لقوله عليه السلام إنما الأعمال بالنيات وامتناع ذلك من دون العلم بالأمر والمأمور به ظاهر وحينئذ لو كلف بالفعل حال الغفلة لزم تكليف ما لا يطاق انتهى وقد أشير إلى هذه الحجة في جملة من الكتب ففي التهذيب الفهم شرط لأن الفعل مشروط بالعلم فالتكليف به حال عدمه تكليف بما لا يطاق وفي المبادي وشرحه لأن تكليف من لا يعلم الخطاب حال التكليف تكليف بما لا يطاق وهو غير جائز وفي المختصر لنا لو صح لكان مستدعي حصوله طاعة كما تقدم وفي شرحه لنا لو صح تكليف من لا يفهم لكان مستدعي حصول الفعل منه على قصد الطاعة والامتثال كما تقدم وأنه محال إذ لا يتصور ممن لا شعور له بالأمر قصد الفعل امتثالا للأمر قوله امتثالا لأن الغافل عن الأمر بالفعل قد يصدر عنه اتفاقا فنبه أن ذلك غير كاف في التكليف بل لا بد من قصد الامتثال لئلا يتوهم أن ذلك إذا جاز فربما علم الله تعالى منه ذلك وكلفه به ولا يكون تكليف محال انتهى ومنها ما تمسك به في المختصر وشرحه من أن العلم لو لم يكن شرطا في التكليف لصح تكليف البهائم إذ لا مانع يقدر في البهيمة إلا عدم الفهم وأنه ليس بمانع لتحققه في صورة النزاع مع التكليف وللقائلين بعدم اشتراط العلم في التكليف وجوه منها ما أشار إليه في المنية فقال احتج المخالف بأن الأمر ورد بمعرفة الله تعالى بقوله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله فالمأمور بها إن كان عارفا لزم أمره بتحصيل الحاصل أو الجمع بين المثلين وهما محالان وإن لم يكن عارفا امتنع منه معرفة أمر الله تعالى إياه بالمعرفة لاستحالة معرفة الأمر من دون معرفة الأمر فقد توجه إليه الأمر في حال يمتنع فيه العلم به فلا يكون الأمر به مشروطا بالعلم ثم أجاب عن هذا فقال الجواب إن معرفة الله واجبة عقلا وليس وجوبها مستفادا من الأمر المذكور وقد أشار إلى هذا الجواب في التهذيب أيضا ولكن أورد عليه في المنية فقال وفيه نظر فإن قضاء العقل بوجوب المعرفة لا ينافي ورود الأمر بها فإن كثيرا من الأحكام يثبت بالعقل والشرع معا ثم قال والحق أن هذا الأمر لم يرد بمعرفة الله تعالى بل بمعرفة وحدانيته ومعرفة الأمر لا يتوقف على معرفة الوحدانية ونفس وحدانيته تعالى معلومة للمكلف من جهة التصور والمأمور به العلم التصديقي بها فلم يكن المأمور غافلا عن الأمر ولا عن المأمور به انتهى وأشار إلى هذا الجواب في النهاية أيضا فقال وجوب المعرفة عندنا عقلي لا سمعي ووجوب النظر ضروري أو قريب منه بأن يكون نظري القياس لا يقال الأمر بالمعرفة ثابت بقوله تعالى واعلم الآية إلى غيره من الآيات وكون وجوب المعرفة عقليا لا يرفعه وحينئذ يعود الإشكال لأنا نقول نمنع أولا كون هذه الأوامر بالمعرفة بل بالصفات كالوحدانية وغيرها وثانيا كون هذه الصيغ أوامر وإن وردت بصيغة الأمر بل للإرشاد انتهى وفي المعراج قلت هذا خارج عن محل النزاع فإنه مستثنى إذ المدعى أنه لا يجوز تكليف الغافل إلا في أول الواجبات وهو معرفة الله تعالى ومنها