السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

318

مفاتيح الأصول

ما أشار إليه في المنية أيضا فقال احتج المخالف بأنه لو كان التكليف منوطا بعدم الغفلة لم يجب على الصبي والمجنون والنائم ضمان ما أتلفوه والتالي باطل فإنهم ضامنون ما أتلفوه في تلك الأحوال اتفاقا وكذلك يجب الزكاة في أموالهم وذلك مؤذن بتكليفهم ثم أجاب عن هذا فقال الجواب المنع من الملازمة فإن وجوب ضمان قيمة المتلف وثبوت الزكاة في أموالهم لا يتعلقان بأفعالهم وليس ذلك تكليفا لهم بل هو من باب الأسباب والمكلف بإخراجها الولي وصلاة المميز غير مأمور بها من جهة الشارع بل من جهة الولي وخطابه مفهوم للصبي بخلاف خطاب الشارع انتهى وقد أشار إلى هذا الجواب أيضا في التهذيب ومنها ما أشار إليه في المنية أيضا فقال احتج المخالف بأنه لو لم يصح مخاطبة الغافل لم يصح منه تعالى مخاطبة السكران والتالي باطل لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون والملازمة ظاهرة إذ السكران حال سكره غافل غير فاهم للخطاب ثم أجاب عن هذا فقال والجواب أن المراد بالسكران هنا من ظهر منه مبادي الطرب ولم يزل عقله وهو الثمل بقرينة قوله تعالى حتى تعلموا ما تقولون أي يتكامل فيكم الفهم والفطنة وقيل الآية وردت قبل تحريم الشرب والمراد منها لا تسكروا وقت الصلاة مثل قوله تعالى لا تتهجد وأنت شبعان أي لا تشبع وقت تهجدك فلفظ حتى على التأويل الأول بمعنى الغاية وعلى الثاني بمعنى كي انتهى وقد أشار إلى ما ذكره من الجواب في النهاية والتهذيب أيضا وأجاب بما حكاه عن بعض في النهاية أيضا وأجاب بالجوابين في المختصر وشرحه والإحكام فقالوا الجواب أنه ظاهر في مقابلة قاطع فيجب تأويله وله تأويلان أحدهما أنه نهى عن السكر عند إرادة الصلاة نحو لا تمت وأنت ظالم وثانيهما أنه نهى عن الثمل الثابت العقل وسمي الثمل سكرا لأنه يؤدي إلى السكر غالبا وحكمة نهيه أنه يمنعه التثبت كالغضب وقد يقال للغضبان اسكت حتى تعلم ما تقول أي تعلم علما كاملا وليس الغرض نفى العلم عنه بالكلية وينبغي التنبيه على أمور الأول لا فرق في توقف على الشروط المذكورة بين الواجب والحرام ولا فرق في الواجب بين النفسي والغيري كوجوب الوضوء على الأصح ولا بين العيني والتخييري والكفائي والموسع والمضيق ولا بين العبادات وغيرها وهل يشترط الاستحباب والكراهة بتلك الشروط الأربعة أو لا فيه إشكال نعم لا إشكال في اشتراطهما بما عدا البلوغ وإنما الإشكال فيه والذي يقتضيه الأصل عدم الاشتراط حيث يكون الدليل الدال عليهما شاملا لغير البالغ وهل الإباحة يشترط به أو لا المعتمد هو الأول الثاني لا يشترط في التكليف المذكورة فالأنثى يصح تكليفها وقد وقع بالضرورة من الدين وكذا لا يشترط فيه الحرية كما صرح به في العدة والذريعة ففي الأول الأمر يتناول الكافر والعبد كما يتناول المسلم والحر ذهب أكثر المتكلمين والفقهاء إلى أن الكافر مخاطب بالشرائع وكذلك العبد وقال قوم شذاذ ليسا بمخاطبين بها والذي أذهب إليه هو الأول والذي يدل على ذلك أن المراعي في كون المكلف مخاطبا بالشريعة أن يرد الخطاب على وجه يتناوله طاهرة ويكون متمكنا من ذلك ثم أخذ في الاحتجاج على كون الكافر مكلفا بالفروع وحاصله شمول العمومات ثم قال والكلام في العبد كالكلام في الكافر سواء لا فرق بينهما إذا كان داخلا تحت الاسم وليس لهم أن يقولوا إن العبد لا يملك تصرفه فكيف يجب عليه فعل ذلك لأنا لا نسلم أنه لا يملك تصرفه على كل حال لأن الأوقات التي هي أوقات العبادات مستثناة من جملة ما يملك منه من الأوقات فسقط الاعتراض بذلك وفي الثاني أما العبد يدخل في الخطاب إذا تكامل شروطه في نفسه وكان ظاهر الخطاب يصح أن يتناوله وإنما يكون الخطاب بهذه الصفة إذا لم يكن مقيدا بالحرية ويتعلق بالأملاك فإن العبد لا يملك والعبد في هذه القضية كالحر وكونه مملوكا عليه تصرفه لا يمنع وجوب العبادات عليه إذ المولى إنما يملك تصرفه عليه في غير وقت وجوب عبادة وأوقات العبادات مستثناة من ذلك انتهى والتحقيق أن يقال أن من منع من تعلق التكليف بالعبد إن أراد أن الخطاب المتعلق به التكليف والحكم إذا اختص لغة بالأحرار لا يجوز الحكم بشموله للعبيد فهو حق لا شبهة فيه ولكنه بعيد وإن أراد أن الأصل عدم تعلق التكليف بالعبد وإن اندرج تحت الخطاب حتى يقوم دليل قاطع على التعلق عنه فهو فاسد جدا لعدم الدليل ومجرد مملوكيته لا يصلح لذلك كما لا يخفى وإن أراد أنه لا يصح تعلق التكليف به كما لا يتعلق بالمجنون فهو أظهر فاسد الوقوع ذلك في الشريعة بالضرورة من الدين الثالث يتفرع على ما ذكرنا من الشروط أمور منها عدم جواز تكليف المكره إيجادا وإعداما إن بلغ الإكراه حد الإلجاء وقد صرح بعدم جواز ذلك في النهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية والإحكام والمعراج وقد حكي في جملة من الكتب جوازه عن القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق ففي شرح المبادي الإكراه إما أن يبلغ حده الإلجاء أو لا فإن كان الأول امتنع تكليفه به ثم قال هذا على رأي المعتزلة وأما على رأي الأشاعرة فإنه جائز ففي المنية اختلفوا في المكره على فعل هل يصح أن يكون مكلفا به أم لا فجوزوا تكليف ما لا يطاق جوزوه وأما المانعون منه فقالوا إن لم يبلغ الإكراه إلى حد الإلجاء صح تكليفه وإن بلغ بحيث صار وجود الفعل منه واجبا وعدمه