السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
314
مفاتيح الأصول
من أن قيام الظن مقام العلم إنما هو بنصّ خاصّ أو بدلالة عقلية ولا شيء منهما فيما نحن فيه ولأن الوجوب معلوم والمسقط مظنون والعلم لا يسقط بالظن الثّاني يثبت قيام الغير بالواجب الكفائي المستلزم لإسقاطه عن الباقين بالعلم به إما بالمشاهدة أو بالتواتر أو بالآحاد المحفوفة بالقرائن المفيدة له أو بغير ذلك الثّالث هل يثبت قيام الغير بذلك الموجب لسقوط التكليف عن الباقين بالظن به أو لا بل يجب الاقتصار في الحكم بالثبوت على العلم بقيام الغير به يظهر من المعارج والتهذيب والنهاية والمبادي وشرحه والمنية والزبدة وشرحيهما لجدي الصّالح والفاضل الجواد وغيرها الأوّل بل لم أجد فيه مخالفا وفيه إشكال والتحقيق أن يقول إن أراد هؤلاء أن مقتضى الأصل الحكم بالسقوط هنا مطلقا فليس كذلك بل ينبغي التفصيل فنقول أن للمسألة صورا إحداهما أن يثبت أصل الوجوب من الإجماع ويحصل الظن المذكور بعد اشتغال ذمة الجميع بالتكليف كما إذا علم بموت عمرو ثم يظن بأن زيدا صلى عليه وحينئذ فمقتضى الأصل عدم السقوط إلا أن يقوم دليل على حجية الظن المذكور فما ادعاه هؤلاء من السّقوط بالظن مطلقا خلاف الأصل والعمومات المانعة عن العمل بالظن الثانية أن يثبت الوجوب من الإجماع أيضا ويحصل الظن بقيام الغير بذلك عند العلم بتحقق سببه كما إذا ظن بأن زيدا صلَّى على عمرو الميّت عند العلم بموته وهنا يلزم الحكم بعدم وجوب الصّلاة على هذا الظان تمسّكا بأصالة البراءة السليمة عن المعارض وذلك لتعلق الشك بأصل تعلَّق التكليف ولا إجماع على ثبوته حينئذ فإن القائل باعتبار الظن حينئذ يدعي عدم كونه مكلفا اللهم إلا أن يقال إن الكل مجمعون على ثبوت التكليف بمجرد السببية حينئذ لكن القائل باعتبار الظن حينئذ يدعي سقوطه بعد الاستقرار ويكون هذا عنده كانعتاق العبد إذا دخل في ملكه فإنه ينعتق بعد الدخول في ملكه آنا ما إذ لا عتق إلا في ملك وفيه نظر الثالثة أن يثبت أصل الوجوب بخطاب شامل للجميع كقوله صلى الله عليه وآله في المرسل صلوا على من قال لا إله إلا الله وحينئذ الأصل عدم السقوط في الصورتين أخذا بظاهر الإطلاق وإنما يجب رفع اليد عنه فيما إذا علم بتحقق فعل البعض للإجماع عليه على الظاهر وأما غيره فلا وبالجملة مقتضى الأصل في هذا الباب مختلف كما لا يخفى وإن أرادوا الفتوى باعتبار الظن في جميع أقسام الواجب الكفائي مطلقا وفي جميع الصور وإن كان مخالفا للأصل فهو بعيد لأن الفتوى محلها في الفقه لا الأصول اللهم إلا أن يقال إن مرادهم أن الأصل حجية الظن هنا مطلقا وأنه أصل ثانوي ولا بعد في هذا ولكن هذا لا دليل عليه لا يقال لو كان العلم شرطا للزم الحرج والأصل عدمه لأنا نقول لا نسلم تحقق هذا في جميع الموارد وتحققه في بعضها لا يثبت الكلية وعدم القائل بالفصل ممنوع وقد يقال ظاهر عبائر القوم ذلك وهو يفيد الظن به والأصل فيه الحجية فإذن المصير إليه في غاية القوة وعليه فهل يشترط في الظن أن يكون متاخما للعلم أو يكفي مطلقه ظاهر عبارة القوم الثاني وهو المعتمد وهل يشترط ظن خاص أو يكفي مطلق الظن فلو حصل من خبر الفاسق أو من خبر الطفل والمرأة والشياع وقرائن الأحوال والحدس كفي يظهر الأول من الزبدة وشرحها لجدي الصالح والفاضل الجواد فإنهم قالوا الواجب كفاية هو ما يسقط عن الكل بفعل البعض قطعا أو ظنا شرعيا قال الفاضل الجواد والمراد بالظن الشرعي ما نصبه الشارع حجة كشهادة العدلين لا العدل الواحد انتهى وألحق جدي رحمه الله بشهادة العدلين الشياع قال فلا يسمع خبر العادل بفعله انتهى ولهم الأصل والعمومات المانعة عن العمل بالظن ولكن يدفعها العمومات الدالة على نفي الحرج والعسر والسيرة المستمرة في بعض الصور فإن تم عدم القائل بالفصل بين الصور كما يظهر من كلمات القوم هنا فالأقرب الاحتمال الثاني كما هو ظاهر إطلاق المعارج والنهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمعراج وهل يشترط في العمل بالظن تعذر العلم أو تعسره أو لا بل يجوز مطلقا ولو لم يمكن من العلم بسهولة يظهر الأول من جدي الصالح في شرح الزبدة ويظهر الثاني من إطلاق المعارج والنهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والزبدة وغاية المأمول وغيرها وهو وإن كان مخالفا للأصل ولكن لا يبعد المصير إليه الرابع قال في النهاية والتهذيب والمبادي وشرحه وغاية المأمول لو ظن كل طائفة قيام غيرهم مقامهم سقط عن الجميع ولكن قال في غاية المأمول بعد ذلك لكن إذا حصل هذا الظن للجميع ولو يعلم به أحد فهل يسقط الوجوب أم لا فيه نظر إذ يلزم منه ارتفاع الوجوب قبل أدائه من غير نسخ ويدفعه أن سقوط الوجوب قد يكون بغير نسخ كانتفاء علته مثل إحراق الميت الرابع لوجوب غسله انتهى والتحقيق أن يقال إن ما ذكروه من السقوط على الجميع في الصورة المفروضة هو المعتمد على تقدير حجية الظن إن لم يظهر لهم أو لبعضهم خطاء الظن وأما لو ظهر ذلك فهل يبقى السقوط حينئذ على حاله بالنسبة إلى من ظهر له الخطأ أو لا بل يجب عليه الإتيان بذلك الفعل الذي سقط عنه باعتبار الظن فيه إشكال ولكن التحقيق التفصيل بأن يقال إن كان ذلك الواجب موقتا وظهر خطاء الظن بعد خروج الوقت فلا إعادة لأن القضاء بفرض جديد وإن ظهر خطاء الظن في الوقت فإن كان هناك عموم أو إطلاق يرجع إليه وكان مقتضاهما لزوم الإتيان بذلك الواجب في جميع الأحوال كان اللازم الإتيان