السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
307
مفاتيح الأصول
ومقتضاه تعين أول الوقت للإتيان به وقد أشار إلى هذا في غاية المأمول فقال بعد ما حكينا عنه سابقا لأن الوقت بحسب ظنه قد يضيق عليه التكليف بالفرد يرجع إلى الظن فتعين عليه الفعل في ذلك الوقت ولا يجوز له تأخيره عنه انتهى وفيه نظر ومنها ما تمسك به جدي الصالح في شرح الزبدة فقال بعد ما نقلنا عنه سابقا لصيرورة ما قبل ذلك الجزء وقتاله بحسب ظنه ولأنه ترك الواجب من غير بدل وهو العزم لفعله ثانيا انتهى وفيه نظر ومنها أنا نجد أن العقل يحكم حكما بتيا قطعيا بلزوم العمل بالظن المفروض فتأمل لا يقال يدفع جميع ما ذكرنا العمومات المانعة عن العمل بالظن كتابا وسنة لأنا نقول هذه العمومات لا تصلح للمعارضة من وجوه شتى وينبغي التنبيه على أمور الأول لا فرق فيما ذكر بين الواجبات الموسعة التي وقتها العمر والمحدودة بوقت خاص كما هو ظاهر إطلاق النهاية والتهذيب والمنية والأحكام والمختصر وشرحه والمعراج وصرح به في الزبدة وشرحها لجدي الصالح وغاية المأمول وكذا صرح به السيد الأستاذ قدس سره الثاني لو أخر عن الزمان المفروض فتبين كذب ظنه وقدرته على الإتيان بالواجب في الزمان الذي ظن فوته فيه فهل يكون عاصيا أو لا بل يختص العصيان بصورة عدم ظهور كذب الظن وفوت الواجب يظهر من إطلاق المنية والإحكام والمختصر وشرحه الأول وبه صرح في موضع من النهاية وكذا صرح به الفاضلان الجواد وجدي الصالح قدس سرهما في شرحيهما على الزبدة فقالا الأصح العصيان لأنه ترك ما وجب عليه بحسب الظن الذي هو مدار التكليف وزاد الأول فقال ويحتمل العدم لأن بقاءه في ذلك الجزء كاشف عن خطاء ظنه وهو ضعيف انتهى ويظهر من موضع آخر من النهاية الثاني ومن الزبدة التوقف والأقرب عندي هو القول الثاني لأن وجوب العمل بالظن ليس وجوبا نفسيا أصليا كوجوب الصلاة بل هو وجوب توسلي ومن باب المقدمة كوجوب الصلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة ووجوب الاجتناب من زوجته عند اشتباهها بالأجنبية ونحو ذلك والمعتمد عندي أن مقدمة الواجب لا يترتب على تركها عقاب كترك الواجبات النفسية وإنما يترتب العقاب بترك نفس الواجب لا بترك مقدمته فتأمل الثالث هل يجب بعد ظهور خطاء ظنه الإتيان بالواجب أو لا بل يسقط عنه المعتمد هو الأول عملا بالأصل وإطلاق الأمر ولظهور الاتفاق عليه حتى من القاضي الذي يأتي إلى مذهبه الإشارة الرابع هل الإتيان بعد ظهور خطاء الظن قضاء أو أداء اختلفوا فيه على قولين أحدهما أنه قضاء وهو للمحكي في جملة من الكتب عن القاضي وثانيهما أنه أداء وهو للتهذيب والنهاية والمنية والزبدة والإحكام وفي النهاية هو اختيار الغزالي والجمهور وفي المنية هو اختيار الغزالي وجماعة من الأصوليين وفي غاية المأمول والمختصر وشرحه هو اختيار الجمهور للقول الأول ما أشار إليه في النهاية والمنية ففي الأول قال القاضي أبو بكر يكون قضاء لتعين وقته بسبب غلبة الظن ولم يوقعه فيه ولهذا يعصي بالتأخير إجماعا وفي الثاني قال القاضي أبو بكر يكون قضاء لتعين وقته لسبب غلبة ظنه وإلا لم يعص بالتأخير عنه وهو باطل اتفاقا فإذا أوقعه خارج ذلك الوقت المعين كان قضاء إذ لا معنى له إلا ما فعل بعد وقته المعين انتهى وأورد عليه في النهاية والإحكام فقالا بعد الإشارة إليه وليس بجيد فإن العصيان لا يستلزم كون الفعل قضاء لأن ذلك الوقت كان وقتا للأداء والأصل بقاء ما كان على ما كان وزاد في النهاية فقال بل ونمنع العصيان بعد ظهور بطلان ظنه ووجوب التضييق عليه وإنما يحكم بذلك لو استمر الظن فكيف يصح أن ينوي القضاء لفعل في وقته ثم قال وأورد بعض المتأخرين على القاضي أنه لا يلزم من عصيان المكلف بتأخر الواجب الموسع عن أول الوقت من غير عزم على الفعل عند القاضي أن يكون فعل الواجب بعد ذلك في الوقت قضاء وليس بجيد لأن العصيان هنا ليس باعتبار تضيق الوقت بل بترك الواجب وبدله وفي المنية بعد الإشارة إلى حجة القاضي وليس بجيد لأن حكم الظن مشروط باستمراره ومع زواله وظهور فساده يسقط عن درجة الاعتبار ويبقى الحال على ما كان عليه قبله انتهى وللقول الثاني ما ذكره في غاية المأمول وشرح المختصر من أن الواجب وقع في الوقت المقدر له شرعا أولا فيكون أداء وفيه نظر والتحقيق هنا أن يقال إن القاضي إن كان مراده مجرد التسمية يعني ليس مدعاه سوى إثبات صدق لفظ القضاء حقيقة على ذلك وإلا فهو يشارك القوم في الأحكام فالنزاع في المسألة لفظي وفي أمر اصطلاحي والأمر فيه سهل وقد أشار إلى هذا في غاية المأمول وشرح جدي الصالح وشرح المختصر وفيه ولا مناقشة فيه وهو جيد ولكن الأقرب عدم صدق القضاء حقيقة بحسب الاصطلاح كما صرح به في جملة من الكتب ففي شرح جدي الصالح وغاية المأمول وشرح المختصر أن تسميته أداء أولى لأنه فعل في وقته المقدر له شرعا انتهى وإن كان مراده إثبات أن بعد انقضاء ذلك الوقت الذي ظن فوت الواجب فيه لا يجب ذلك الفعل إلا بأمر آخر لأن القضاء بفرض جديد فهو باطل أما أولا فلظهور الاتفاق عليه كما أشرنا إليه سابقا وأما ثانيا فلأصالة بقاء الوجوب وما كان سابقا كما صرح به في النهاية وشرح جدي الصالح والأحكام وأما ثالثا فلإطلاق الأمر وإن كان مراده وجوب نية القضاء فهو باطل أيضا أما أولا فللمنع من وجوب نية الأداء والقضاء فتأمل وأما ثانيا فلما ذكره في شرح المختصر فقال ولا