السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

308

مفاتيح الأصول

مع القاضي في المعنى إلا أن يريد وجوب نية القضاء وهو بعيد إذ لم يقل به أحد إنما النزاع في التسمية وتسميته أداء أولى لأنه فعل في وقته المقدر له شرعا أولا وإن عصى بالتأخير كما إذا اعتقد انقضاء الوقت قبل الوقت وآخره فإنه يعصي ثم إذا ظهر خطاء اعتقاده وأوقعه في الوقت كان أداء اتفاقا ولا أثر للاعتقاد الذي قد بان خطاؤه فكذا هاهنا انتهى وأشار إلى ما ذكره في غاية المأمول والمختصر وغيرهما الخامس لو أخر المكلف الإتيان بالواجب الموسّع في أوّل الوقت أو ثانيه مثلا بظن السّلامة وبقاء قدرته إلى آخر الوقت أو إلى الوقت الذي يريد إيقاعه فيه فاتفق موته فجأة فهل هو عاص أو لا التحقيق أنه ليس بعاص كما صرّح به في النهاية والتهذيب والمنية والزبدة وشرحها لجدي الصّالح والفاضل الجواد والمختصر وشرحه وقد أشار إلى وجهه فقال من أخر مع ظنّ السّلامة فمات فجأة فالتحقيق أنه لا يعصي لأن التأخير جائز له ولا تأثيم بالجائز ثم قال ولا يقال شرط الجواز سلامة العاقبة إذ لا يمكن العلم بها فيؤدي إلى التكليف بالمحال انتهى وقد أشار إلى ما ذكره في غاية المأمول وكذا أشار إليه جدي الصالح فقال ظان السّلامة في الوقت كلَّه إن مات في جزء منه فجأة فغير عاص فيهما أي فيما بيّن حداه وفيما وقته العمر لأن التّأخير حينئذ جائز فلا إثم ولا عصيان فإن قيل جواز التأخير بجواز أن يكون مشروطا بالعلم بسلامة العاقبة وهو مفقود وهذا الشرط وإن كان محالا لأنه ممتنع عادة إلا أنه لا يلزم التكليف بالمحال إذ التأخير غير واجب لجواز التقديم فالمكلَّف به هو القدر المشترك الدائر بين الجائز والمحال والدّائر بينهما جائز ليس بمحال أجيب عنه تارة بأن لا فائدة لجواز التّأخير إذ لا يمكن العمل بمقتضاه لأنه محال وأخرى بأن ذلك الشّرط يوجب رفع التوسع وهو خلاف المقدر لأن المكلَّف لا يجوز له التّأخير المشروط بالمحال فيتعين عليه التقديم فيكون الفعل واجبا مضيّقا لا موسّعا ثم قال وقد صرح بعض المحققين بأن هنا قائلا مستدلا بأنه لو جاز التأخير بالعصيان ولم يعص إذا مات لزم خروج الواجب عن كونه واجبا وهذا خلف وأجيب بأن هذا الاستدلال بعد مصادمته لإجماع السّلف مدخول لوجهين الأوّل أن الجميع وقت بحسب ظاهر الشرع والتارك في الجميع إنما يعصي إذا تركه باختياره والترك في بعضه هنا إنما يكون بالموت الذي لم يكن باختياره الثاني أنه على تقدير عدم الموت لا يعصي فكذا على تقدير الموت لأن الموت لا يصلح سببا للعصيان انتهى وهل يختص ما ذكر بالموسع الذي بيّن شرعا طرفاه أو لا بل يعمّ ما وقته العمر صرّح بالأوّل في المختصر وشرحه ففيهما من أخر مع ظن السّلامة فمات فجأة فالتحقيق أنه لا يعصي بخلاف ما وقته العمر وزاد في الثاني فقال فإنه لو أخره ومات عصى وإلا لم يتحقق الوجوب انتهى وصرّح بالثّاني في النهاية والزبدة وشرحيها لجدي الصالح والفاضل الجواد وادعى فيها وفي غاية المأمول أن تعرفه الحاجبي بحكم وهذا القول هو المعتمد عندي السّادس قال السيّد الأستاذ الواجبات الموسّعة الغير المحدودة بوقت وقتها العمر وفاقا ولا يتضيق إلا بظن الوفاة أما الأول فلأن الأصل التوسعة حتى يثبت التضييق ولم يثبت وأما الثاني فلأنه لو لم يجب بظن الوفاة لزم خروج الواجب عن كونه واجبا وليعلم أن هذا التحديد ليس تحديدا حقيقيا بحيث لو انكشف فساد الظن بقي الواجب في عهدته أو كان قضاء قيل إنما هو حكم ظاهري وإلا فحد الواجب الغير المحدود هو العمر كما أن حد الواجب المحدود هو حدّه المقرر له في الشرع فتأمل انتهى مفتاح اعلم أن الأمر بالشيئين أو الأشياء مطلقا على طريق التخيير واقع إجماعا كما ادّعاه السّيّد عميد الدّين وغيره واختلفوا فيما هو الواجب على أقوال الأول أن الواجب مفهوم أحدها وهو للعلامة في النهاية ونهج الحق وموضع من التهذيب والسّيّد عميد الدين في المنية والشهيد في قواعده والشيخ البهائي والحاجبي والبيضاوي وحكاه في نهج الحق عن الإمامية والجمهور ولعلّ من ادعى أن الواجب واحد لا بعينه من أمور معينة وهو المفيد على ما حكاه في العدة أراد ما صار إليه هؤلاء الجماعة وفي العدة أن الذي عليه المحققون من أصحابنا والمعتزلة والأشاعرة ونقل القاضي إجماع سلف الأمة عليه أن الواجب واحد لا بعينه من أمور معينة انتهى وعلى هذا لا تخيير في أصل الواجب وإنما التخيير فيما يتحقق فيه وهو الإفراد كما اعترف به الشّهيدان وغيرهما الثاني أن الواجب كلّ واحد منها لكن على البدل وهو للمحقق في المعارج حيث قال الأمر بالأشياء على طريق التخيير يفيد وجوب الكل على البدل واختاره العلامة في المبادي وموضع آخر من التهذيب وحكاه الشيخ عن كثير من المتكلَّمين وأبي علي وأبي هاشم وأصحابهما وكذا حكاه عن السيّد المرتضى فقال ذهب سيّدنا المرتضى إلى أن الثّلاثة لها صفة الوجوب على وجه الوجوب والذي أذهب أن الثلاثة لها صفة الوجوب إلا أنه يجب على المكلَّف اختيار أحدها ثم قال وإذا لم يفعل الثلاثة فإنما يستحق العقاب على واحد لأن واحدا منها كان واجبا عليه دون الثلاثة انتهى وفي المعالم وغيره هو المشهور بين أصحابنا وفي المنية عزاه إلى أصحابنا وفي النهاية وغيره إلى المعتزلة وفي غيرهما إلى جمهورهم وحكي عنهم أنه لا ثواب ولا عقاب إلا على الواحد من غير تفصيل وحكي عن بعضهم أن الواجب الجميع ويسقط بفعل البعض كالكفائي وأنه لو أتى بجميعها استحق الثواب على كل منهما ولو تركها استحق العقاب كذلك وحكي هذا عن السيّد والشيخ وحكي في العدة عن بعض النّاس أنه يستحق الثواب على الأشق ثواب الواجب والعقاب