السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

281

مفاتيح الأصول

المعتزلي فأوجب في العبادات دون غيرها من المناكحات والمعاملات وعن قوم التوقف وإليه ميل كلام المحقق في المعارج أجنح الأولون بوجهين الأوّل قوله تعالى لقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة وقوله تعالى فاتبعوه وقوله تعالى زوجناكها لأنه وأجاب المحقق عن الآية الأولى بأن الأسوة ليست من ألفاظ العموم وتصدق بالمرّة الواحدة وقد توافقنا في وجوب التأسّي به في بعض الأشياء وعن الثانية بمثل ما ذكر قال لا يقال العرف يقضي بوجوب التأسي به في كل الأمور لأنه لا يقال أسوة لفلان إذا كان أسوة له في أمر واحد لأنا نقول هذا فلا بد له من دليل وفيه نظر قال العلامة ونعم ما قال المقصود من إيجاب التّأسي والاتباع إظهار شرفه فأما أن يكون باتباعه في جميع الأفعال وهو المطلوب أو في فعل معيّن ولا دلالة للفظ عليه أو مبهم وهو أبعد من عادة الشرع في خطابه لأنه موضح وكاشف ولأنه لا إظهار فيه لشرف النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم وقولنا لك أسوة بفلان في جميع الأشياء يفيد التأكيد وليس تكرارا خاليا عن الفائدة وقولنا في هذا الشيء لا تناقض فيه لأن عموم المتابعة يستفاد من التأسي المطلق والمتابعة المطلقة وهذا ليس بمطلق بل هو معيّن أما إذا قلنا لك أسوة بفلان فإنه يفيد العموم إذ المعروف إنما يطلق ذلك إذا كان فلان قدوة لك في جميع الأشياء انتهى والحق في الجواب أن يقال لا دلالة في الآية الشريفة على وجوب التأسّي كما تقدم إليه الإشارة إلا أن ينجبر قصور الدلالة بفهم الأكثر وفيه نظر وأما الجواب عن قوله تعالى زوّجناكها الآية فبأن التأسّي في التزويج لا يدلّ على التأسّي في غيره لاحتمال ظهور عدم اختصاص ذلك التزويج به صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم فلا يستلزم المشاركة له صلى الله عليه وآله فيما إذا شك في الاختصاص ولا ينافي ذلك التحليل كما لا يخفى على أنه صرّح العلامة بدلالة الآية الشريفة على اختصاص التأسّي في التزويج لقوله تعالى لكيلا يكون على المؤمنين الآية قال فكيف يعتقد في مثل هذا العموم والثاني الإجماع من الصحابة المحكي في العدة والمنتهى وغيرهما في الرجوع إلى أفعاله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم في تعرف الأحكام وأجاب عنه المحقق بأنه استدلال بصورة خاصة على قضية عامة ولئن سلمنا حصوله في تلك الصّورة فتعديته قياس قلت التحقيق أن يقال أن فعله صلَّى اللَّه عليه وآله إن ظهر وجهه وعدم الاختصاص به فلا شبهة في وجوب التأسي به وإن ظهر الأول دون الثاني فالأصل عدم الاشتراك لكن يعارضه غلبته فيرجع الكلام إلى تعارض الأصل والظاهر فمن عوّل على أصالة حجية ظن المجتهد فيلزمه اختيار الثاني ولا يخلو عن قوة مضافا إلى الاعتضاد بالأدلة السابقة وأقواها الإجماع المحكي عن الصحابة واختصاص المورد غير ضار بعد فهم كون الطريقة مبنية على ذلك كما يستفاد من كلام مدعية كالشيخ في العدة والعلامة في النهاية والمنتهى وغيرهما وينبغي التنبيه على أمور الأوّل اعلم أن المعتبر في صورة الفعل التي يجب الإتيان بمثلها تأسّيا ما يعدّ في العرف أنه صورة فلا تعد الأفعال الجبلية الواقعة في أثناء الفعل من أجزاء صورته وعلى هذا قد يعتبر قصره وطوله والزمان والمكان الواقع فيهما الفعل في صورته وقد لا يعتبر فمن ادعى أنه لا يعتبر مطلقا كقاضي القضاة فيما حكي عنه معلَّلا بفوات الزمان واستحالة اجتماع شخصين في مكان واحد وزمان واحد وعدم انضباط الأولين فتحكم وجوابه بعد ما عرفت واضح الثاني إذا شك في مدخلية الأشياء المذكورة ونحوها فيها فهل يلزم على من أراد التأسي أن يأتي بها ويعتبرها تحقيقا لمعنى التأسي كما عليه العلامة في النهاية وحكاه عن أبي عبد اللَّه البصري أولا ويمكنه التأسي إلا بعد معرفة المدخليّة للشك في تحقق معناه فيه إشكال من ظهور صدقه إذا أتى بها عرفا وصحة سلبه إذا تركها ومن أن الشك فيها مستلزم للشك في وجهها وقد اعتبروا في صدق التأسّي الموافقة في الوجه ويتفرّع على هذا مسائل كثيرة منها البدأة بالأعلى وبالمرفقين في غسل الوجه واليدين حيث أن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله ابتدأ بهما ولم يعلم أن لها مدخلا في الصّورة أو أنها من الأمور الجبلية والذي يقوى في نفسي هو الأول لصدق التأسّي فيشمله عموم ما دل على وجوبه وأما اعتبار الوجه في صدقه فيمكن حمله على اعتباره في الجملة لا على اعتباره في جميع أجزائه ويؤيّد هذا أنه لو اعتبر في جميعها لم يتحقق بأس أصلا أو يندر تحققه في الغاية إذ ما من فعل إلا ويشك في وجه بعض أجزائه ثم على الاحتمال الأخير فهل يصدق التأسّي إذا فعل ما علم وجهه فقط أو لا فيه تأمل وحيث كان المرجع في المقام العرف فلا ينبغي التطويل بذكر الفروع الثّالث قال السيّد الأستاذ قدس سرّه صدور العبادة عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السّلام لا يقتضي كونها أفضل من عبادة أخرى مضادة لها إلا إذا كانت العبادة المأتي بها طاعة مستمرة مانعة عن العبادة المضادة لها وأن صدور مثل هذه الطاعة المطلوب فيها الدّوام عن الحكيم العارف بحقيقة الحال لا يكون إلا لرجحانها عنده على غيرها من الطاعات المضادة لأن اختيار المفضول والاستمرار عليه مما ينافي الحكمة والتأسّي في هذا الفعل مقتضى للفضيلة وللأفضلية معا كالنكاح وأما إذا كانت العبادة المأتي بها غير مانعة عما يضادّها في الجملة بحيث يمكن الإتيان بهذه تارة وبمفادها أخرى كما في أكثر الطاعات والعبادات فإن صدورها عن الحكيم لا يقتضي إثباتها ولا كونها أفضل من غيرها لإمكان صدورها وصدور مضاداتها