السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

279

مفاتيح الأصول

ولكن لا بد من اعتبار الوجه في خصوص المقام لعدم حرمة المخالفة في الأفعال الغير الواجبة وقد يقال الأصل حرمة مخالفة كل فعل نظرا إلى الإطلاق إلا ما قام الدليل على جوازه والجواب أن هذا حسن لو كان الضمير في أمره راجعا إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم وقد يمنع لاحتمال رجوعه إلى اللَّه تعالى لأنه أقرب لا يقال المستفاد من سياق الآية الشريفة صدرا وذيلا الحث على إطاعة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم فينا فيه عود الضمير إلى اللَّه تعالى لأنا نقول يمنع المنافاة بل العود إليه تعالى مؤكد لذلك لأنه تعالى لما حث على إطاعته حذر عن مخالفة أمره تعالى تأكيدا للحث على المبايعة ثم لو تنزلنا فغاية الأمر الإجمال وهو ينافي الاستدلال ومنها لقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللَّه واليوم الآخر وتقديره من كان يرجو اللَّه وله اليوم الآخر فله فيه أسوة حسنة ويلزمه بعكس النقيض من لم يكن فيه أسوة حسنة لم يكن راجيا للَّه تعالى واليوم الآخر وهذا توعيد وزجر وهو دليل الوجوب وفيه نظر للمنع من دلالة الآية الشريفة على الوجوب فإن الظاهر من قوله تعالى لكم عدمه لأن الذي يناسبه عليكم ولذا استدل به القائل بالندب وقوله تعالى لمن كان لا يدل على التهديد لأن رجاء اللَّه تعالى كما يكون في العفو كذا يكون في الثواب كذا ذكره الشيخ كما عن أبي الحسين وقال القاضي في تفسيره والرجاء يحتمل الأمل والخوف وفي مجمع البيان حكي حمله على الأول عن ابن عباس وحمله على الثاني عن مقاتل سلمنا الدلالة على الوجوب لكن لا نسلم أن التأسي هو الإتيان بمثل فعل الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم بل الإتيان به على الوجه الذي فعل لأنه فعل كما صرّح به جمع كالمحقّق في المعارج والعلامة في النهاية والآمدي والرازي فيما حكي عنهما ومنها قوله تعالى فاتبعوه فإن الاتباع هو الإتيان بمثل فعله وفيه نظر لأن الاتباع ليس مطلق الإتيان بمثل فعله بل هو الإتيان به على الوجه الذي فعل لأنه فعل كالناسي وقد صرّح بذلك جماعة كالشيخ في العدة والمحقق في المعارج والعلامة في النهاية قال وإنما شرطنا في الاتباع ما شرطناه في التأسي لأنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم لو صلى فصمنا أو صام فرضا وصمنا ندبا لم نكن متبعين وفيه نظر لصدق المتابعة عرفا وإن لم نعلم بالوجه ويرشد إليه جواز ائتمام المتنفل بالمفترض لصدق المتابعة مع التخالف في الوجه والجواب على هذا التقدير أن المتابعة في القول واجبة قطعا والمراد بها كما صرّح به المحقق والعلامة وغيرهما امتثال مقتضاه من وجوب أو ندب أو حظر فلا يحمل على المتابعة في الفعل وإلا كان المشترك منزلا على معنييه من غير قرينة فإن الظاهر أن لفظ المتابعة مشترك لفظي بين القول والفعل لا معنوي لعدم تبادر القدر المشترك ومن هنا يندفع ما استظهره الشيخ والعلامة من أن الأمر بالمتابعة يقتضي وجوبها في كلما يصدق فيه لمتابعة كما لو علم بإباحة فعل أو ندبه لا يقال نمنع أن المتابعة في القول ما ذكر بل المتابعة فيه هي التلفظ بمثل ما تلفظ إلا العمل بمقتضاه فإنه إطاعة لا متابعة وقد صرّح بهذا بعض المحققين فلا يمكن الحمل على المتابعة في القول لاستلزامه حينئذ وجوب خطاب الأمة بما خاطب صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم به فتعين الحمل على المتابعة لأنا نقول هذا خلاف الظاهر فإن الظاهر من المتابعة فيه هو ما ذكرنا وإن سمي ذلك إطاعة أيضا وما ذكره يرجع في التحقيق إلى المتابعة في الفعل فتأمل سلَّمنا الاشتراك المعنوي لكن الاستدلال إنما يتجه لو كان الضمير عائدا إلى الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم وأما إذ رجع إلى اللَّه تعالى فلا يمكن الحمل إلا على المتابعة في القول وذلك واضح وحيث لا دليل على تعيين المرجع فلا بد من التوقف ومنها قوله تعالى فلا إن كنتم تحبون اللَّه فاتّبعوني وهذه الآية الشريفة أصرح دلالة على وجوب الاتباع من الآية المتقدمة لدلالتها على التلازم بين محبّة اللَّه واتباعه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم والأول واجب فكذا الثاني لأن لازم الواجب واجب وفيه نظر لما عرفت ومنها قوله تعالى وما آتيكم الرّسول فخذوه فإذا فعل فعلا فقد أتى به فيجب علينا أخذه هو الإتيان بمثله وفيه نظر لأن المراد بما آتاكم ما أمركم بقرينة قوله تعالى وما نهاكم المقابل له وإلا لاختل النظم فينا في الفصاحة الواجب رعايتها في القرآن إلا أن يجعل تركه عليه السلام الفعل نهيا عنه كما جعل فعله أمرا لكنه فاسد لأنه مجاز بلا قرينة مع أن الظاهر أن أحدا لم يقل بلزوم متابعته في الترك الغير المعلوم وجهه ثم إنا نمنع من صدق آتاكم على فعله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ومنها قوله تعالى أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرّسول والإتيان بمثل فعله إطاعة فيجب وفيه نظر للمنع من صدق الإطاعة إذا فعل نحو فعله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم الذي لم يعلم وجهه لأن الإطاعة لا تتحقق إلا بعد ثبوت التكليف ودلالة مجرد فعله عليه السّلام عليه عين النزاع ومنها قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوّجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنّ وطرا فإنه تعالى بين أنه إنما زوجه ليكون حكم أمته مساويا لحكمه وفيه نظر لأن غاية الدلالة على أن فعله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم يدل على الإباحة في حقنا وهو غير الوجوب ومنها ما روي عن أم سلمة أنها سألته عن قبلة الصائم فقال عليه السّلام لها لم لا تقولي لهم إني أقبل وأنا صائم وما روي من أنها سألته بل الشعر في الاغتسال فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أما أنا فيكفيني أن أصب على رأسي ثلاث حثيات من ماء وفيه