السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

269

مفاتيح الأصول

كان واجبا في ابتداء الإسلام وهو ثابت بالسنة خاصة إذ ليس في القرآن العزيز ما يدل عليه وقد نسخ بقوله تعالى فولّ وجهك شطر المسجد الحرام لا يقال أن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما بالقرآن وهو قوله تعالى فثم وجه اللَّه لأنا نقول هذا باطل لأنه لا يدلّ على تعيين بيت المقدس بل غايته الدلالة على التخيير بين الجهات التي من جملتها بيت المقدس والمنسوخ إنما هو وجوب التوجه إليه عينا وذلك غير معلوم من القرآن وقد صرّح بما ذكر في النهاية والإحكام والمعراج ولا يقال لم لا يجوز استناد وجوب استقبال بيت المقدس إلى قرآن نسخت تلاوته لأنا نقول هذا الاحتمال مدفوع بالأصل كما صرّح به في المنية فتأمل وفي المعراج بعد الإشارة إلى الإيراد المذكور الجواب عنه أنه لو كان في القرآن ما يدلّ على تلك الآية لنقل ولكن ما نقل ولا يقال لم لا يجوز أن يكون الناسخ لوجوب التوجه إلى بيت المقدس الثابت بالسنّة سنة أخرى ولا ينافي في ذلك ما دل على وجوب التوجه إلى الكعبة من القرآن لاحتمال تأخره عن تلك السنّة ويؤيد الاحتمال المذكور أنه عليه السلام بعد ما حوّل وجهه عن بيت المقدس نظر إلى السماء وانتظر ما يؤمر به من تعيين الجهة لأنا نقول هذا الاحتمال مدفوع بالأصل كما صرّح به في المنية وقال أيضا ولأن فتح هذا الباب يفضي إلى عدم العلم بالناسخ لا عدم الناسخ أيضا وفي المعراج بعد الإشارة إلى الإيراد المذكور والجواب عنه أن الآية ظاهرة في نسخ وما نقل أنه بعد ما حول وجهه نظر إلى السّماء غير ثابت وفي شرح المختصر والإحكام بعد ذلك الجواب أن ذلك يمنع تعيين ناسخ أبدا لتطرق مثل شرع ذلك الاحتمال إليه وأنّه خلاف الإجماع ونحوه في غاية المأمول من غير دعوى الإجماع وزاد فيه نحو لا تزيد بالناسخ إلا بدفع الحكم السابق وإزالته وهو صادق على مثل هذه الآيات واحتمال النسخ بغير موافق يطرحه أصالة العدم وفي النهاية بعد الإشارة إلى ذلك وإلى الإيراد المتقدم وأجيب بأن تجويز ذلك يسدّ باب إثبات النسخ بشيء من الأدلَّة إذ ما من ناسخ إلا ويجوز فيه أن يكون النسخ يقدمه بدليل آخر وما من دليل منسوخ إلا ويكون المنسوخ دليلا غيره بواقعة في حكمه وإنما حكمنا بالنسخ في الآيات التي اعتقد بالنسخ فيها للصّلاحية وللافتراق لأنها طريق صالح للارتفاع وقد قادتها الارتفاع فيسند إليها وفيه نظر لأن طريق الدلالة على معرفة الناسخ والمنسوخ إذا وجدت في شيء حكمنا بثبوتهما فيه ولانسد الباب وأما المنسوخ فإنه متى وجد ما ينافيه من الأدلَّة حكم بأنه منسوخ وإن استند الحكم إلى غيره انتهى وثانيها إلى تمسّك به في النهاية والتهذيب والإحكام والمختصر وشرحه من أن في اللَّيل كانت محرمة على الصّائمين بالسنة لعدم وجود ما يدل عليه في الكتاب العزيز وقد نسخ بقوله تعالى فالآن باشروهنّ وابتغوا ما كتب اللَّه لكم وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وثالثها ما تمسّك به في النهاية والتهذيب وغاية المأمول والإحكام والمختصر وشرحه من أن صوم عاشوراء كان واجبا بالسنة ثم نسخ بصوم شهر رمضان بقوله عز وجل فمن شهد منكم الشهر فليصمه ولكن قال في المنية وفيه نظر فإن الأمر بصوم شهر رمضان غير مناف لصوم عاشوراء فكيف يكون ناسخا في الحقيقة ما دل على الارتفاع حكمه سواء عني رمضان للبدلية أو لا ورابعها ما تمسّك به في العدة والنهاية والتهذيب والمنية والإحكام من أن جواز تأخير الصلاة في الحرب إلى انقضاء القتال كان ثابتا بالسنة وقد نسخ ذلك بوجوب صلاة الخوف الدال عليها القرآن العزيز قال في الذريعة وإنما كان ذلك نسخا من حيث كان جواز التأخير مع استيفاء الأركان كالمضاد للأداء في الوقت مع الإخلال ببعض ذلك وخامسها ما تمسّك به في النهاية والإحكام وحكاه في الذريعة عن بعض من أن قوله تعالى فلا ترجعوهن إلى الكفار نسخ ما كان قد صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاءه سلما ردّه حتى أنه ردّ أبا جندل وجماعة من الرجال فجاءت امرأة فأنزل اللَّه تعالى فلا ترجعوهنّ وللقول الثاني أيضا وجوه منها ما حكي عن الشافعي في جملة من الكتب من قوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم فإنه يدلّ على أن كلامه بيان للقرآن العزيز فلو كان القرآن ناسخا للسّنة لكان بيانا إذ الناسخ بيان للمنسوخ فيكون كلّ منهما بيانا للآخر وأنه محال وأجيب عن هذه الحجة بوجوه الأول ما ذكره في المنية من أنه ليس في الآية الشريفة ما يدل على انحصار كلامه صلى الله عليه وآله في بيان المنزل أو في كون كل من المنزل محتاجا إلى بيانه مع أن كلا منهما معلوم البطلان إذا لم يرد بالبيان الإظهار وحينئذ يجوز أن يكون بعض الأحكام الشرعية مستفادا من السنة ثم ينسخه اللَّه تعالى بآية من القرآن العزيز وبالعكس ولا يلزم من ذلك كون كلّ منهما بيانا للآخر وفي النهاية والتهذيب والإحكام لا دلالة فيه على أنه لا يتكلم إلا بالبيان الثّاني ما ذكره في النهاية والمنية وغاية المأمول وشرح المختصر والإحكام من أن المراد من البيان التبليغ والإظهار قال في النهاية وغاية المأمول لأنه عام في كل القرآن بخلاف بيان المراد لتخصيصه بالمجمل انتهى وعلى هذا ليس في الآية دلالة على المدعى أصلا الثالث ما ذكره في المنية من أن الآية الشريفة إنما دلَّت على أنه مبيّن لما أنزل اللَّه تعالى إليه إلى حين النزول الآية المذكورة ولا يدل على كونه مبنيا فيما بعد الرابع ما ذكره في المعراج فقال الجواب بالمعارضة وإن نقول لا نسلم لا يجوز أن يكون غير السنة بيانا بل يجب أن يكون البيان هو القرآن فقط لقوله تعالى في وصف القرآن تبيانا لكلّ شيء انتهى وأشار إلى ما ذكره في غاية المأمول الخامس ما ذكره في غاية المأمول فقال نمنع كون النسخ بيانا بل رفع كما تقدم تعريفه السادس ما ذكره في غاية المأمول أيضا فقال كون الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم بينا لا يدلّ على ما زعمتم بل على أنه مبيّن وبيانه تارة يكون بالكتاب وأخرى بالسنة السّابع ما ذكره في غاية المأمول وشرح المختصر فقالا كونه صلى الله عليه وآله مبينا لا ينفي كونه ناسخا