السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
270
مفاتيح الأصول
لجواز أن يكون مبيّنا لما ثبت من الأحكام ناسخا لما ارتفع منها ومنها أن نسخ السنة بالكتاب يوجب تنفر الناس عنه لتوهمهم أن الله تعالى لم يرض بما سنه الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم وذلك يناقض مقصود البعثة ولقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليطاع بإذن اللَّه وأجاب عنه في المختصر وشرحه وغاية المأمول والإحكام بأنه إذا علم أنه مبلغ لا غير لا يلزم النفرة زاد في الأحكام نقول لو امتنع نسخ السنّة بالقرآن لدلالته على أن ما شرعه أو لا ليس بمرضى لامتنع نسخ القرآن والسنّة بالسنة وهو خلاف إجماع القائلين بالنسخ ثم قال إن ما ذكروه إنما يدل على أن المشروع أولا غير مرضي لو كان النسخ رفع ما ثبت أولا وليس كذلك بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على أن الشارع لم يرد الخطاب الأول ثبوت الحكم في وقت النسخ دون ما قبله ومنها أن السنة ليست من جنس القرآن لأن القرآن معجزة ومتلو ومحرم قراءته على الجنب ولا كذلك السنة وإذا لم يكن القرآن من جنس السنة امتنع نسخه بها كما يمتنع نسخ القرآن بحكم دليل العقل وبالعكس وأجاب عنه في الإحكام فقال لا يلزم من اختلاف جنس السنة والقرآن بعد اشتراكهما في الوحي بما اختص بكلّ واحد منهما امتناع نسخ أحدهما بالآخر وعلى هذا فنقول القرآن يكون رافعا لحكم الدليل العقلي وإن لم يسمّ ناسخا ومنها ما ذكره في العدة فقال وتعلَّق من منع من ذلك بأن قال إذا لم يجز نسخ القرآن لمساواته له في الرتبة فكذلك لا ينسخ السنة بالكتاب انتهى ومنعه ظاهر والمعتمد عندي في المسألة هو القول الأول الذي عليه المعظم من جواز ذلك وهل هو واقع أو لا فيه إشكال ولكن الاحتمال الأول في غاية القوة مفتاح إذا ورد خطاب ما يدل على حكم شرعي بفحواه وبطريق الأولوية كما في قوله تعالى ولا تقل لهما أف فهل يصلح نسخه أو لا التحقيق أن يقال المسألة تنحل إلى صور الأولى أن ينسخ الأصل والفرع معا وهذا لا إشكال في جوازه وقد صرح بذلك في الذريعة والمعارج والنهاية والمنية وشرح المختصر والإحكام وبالجملة الظاهر أنه مما لا خلاف فيه وقد تضمن جملة من الكتب دعوى الاتفاق عليه ففي النهاية اتفقوا على جواز نسخهما معا وفي المنية اتفقوا على جواز نسخ الفحوى مع أصله كما في قوله تعالى ولا تقل لهما أف على الدال بفحواه على تحريم الضرب برفع تحريم التأفيف والضرب معا وفي شرح المختصر الفحوى مفهوم الموافقة ونسخهما معا جائز اتفاقا وفي الإحكام اتفقوا على جواز نسخ حكم الفحوى الثانية أن ينسخ الفحوى دون الأصل وقد اختلفوا في جوازه على قولين الأول أنه لا يجوز فلا يجوز نسخ تحريم الضرب والقتل المستفادين من تحريم التأفيف الذي يدلّ عليه قوله تعالى ولا تقل لهما أف مع بقاء تحريم التّأفيف الذي هو الأصل وهو للتهذيب والمختصر وشرحه والمعراج والمحكي عن أبي الحسين وفي النهاية والمنية والإحكام ترد القاضي عبد الجبار فمنع تارة وجوز أخرى الثاني أنه يجوز وهو للذريعة والعدة والمعارج والإحكام والمحكي عن القاضي عبد الجبار ويظهر التوقف في المسألة من الميتة للأولين وجوه أحدها ما تمسك به في النهاية والتهذيب والمختصر وشرحه والمعراج من أن تحريم التأفيف ملزوم لتحريم الضرب وإلا لم يعلم منه من غير عكس للأولوية في الفرع ونسخ الفحوى دون الأصل معناه بقاء تحريم التأفيف وانتفاء تحريم الضرب وهو وجود الملزوم مع انتفاء اللازم وهو محال وبالجملة الفحوى لازم للأصل فيكون رفعه مستلزما لرفعه وفيه نظر أما أولا فلأنه إن أريد أن تحريم التأفيف ملزوم لتحريم الضرب يستحيل عقلا لانفكاك بينهما كما يستحيل انفكاك الأمر بالشيء عن النهي عن ضدّه العام أو الخاص على بعض الأقوال وكما يستحيل انفكاك النّهي عن العبادة عن فسادها فهو ممنوع وذلك لجواز أن يكون التأفيف حراما لمصلحة يختص به ولا يكون الضرب الذي هو أشد منه مباحا لمصلحة يختص به ويشهد بذلك أمور منها أنه لو كان الاستلزام بين حكم الأصل والفرع عقليا كالأمثلة المذكورة لكان القياس بالطريق الأولى من الأدلة العقليّة القطعية وهو باطل بل هو من الأدلة الظنية كالشهرة والاستقراء إذا كان قياسا جليّا أو من ظواهر الخطاب كسائر الدلالات الالتزامية إذا كان مفهوما من الخطاب كما يظهر من كلمات القوم ومن وجود الخلاف في حجيته فتأمل ومنها الأخبار الكثيرة على عدم حجية القياس بالطريق الأولى فتأمل ومنها تحقق ترك العمل به في بعض المسائل الفقهية لوجود المعارض الأقوى فتأمل وإن أريد أن الدّال على تحريم التأفيف يلزم منه الدلالة على تحريم الضرب وفهمه فهو المطلوب ولكن غاية ذلك حصول الظن منه بذلك وهو غير مانع من النسخ المفروض ولا موجب للحكم باستحالة الانفكاك سواء استند الظن المذكور إلى استظهار علة الحكم في الأصل وثبوتها أو استند إلى دلالة الخطاب على ثبوت حكم الأصل في الفرع أما على الأول فواضح فإن ترك الأدلة الظنية بالأقوى منها غير عزيز سواء كان بطريق النسخ أو بغيره كما هو الغالب وأما على الثاني فلأن الدلالة المشار إليها لا يكون إلا من الدلالة الالتزامية ومن الظاهر أنه يجوز رفع اليد عنها بالمعارض الأقوى وكيف لا والدلالة المطابقية المستندة إلى وضع اللَّفظ يجوز رفع اليد عنها لوجود المعارض الأقوى كما لا يخفى وأما ثانيا فلأن ذلك معارض بأن وجوب إكرام زيد في قوله إن جاءك زيد فأكرمه ملزوم لعدم وجوب إكرامه عند عدم مجيئه ومع ذلك يجوز نسخه كما يجوز رفع اليد عنه عند صدور الخطاب فما هو الجواب هنا فهو الجواب في محل البحث وبالجملة يجوز رفع اليد عن المفاهيم المخالفة والموافقة بطريق النسخ وبغيره وبقاء أصولها على حالها وقد اتفق ذلك كثيرا ولزوم المفهوم للمنطوق غير قادح كما أن لزوم الوضع لإفادة الموضوع له غير قادح فتأمل نعم إذا حصل في القياس العلم بعلَّة حكم الأصل