السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
26
مفاتيح الأصول
سمع إلى آخره إنما يصحّ في مجرّد الانتقال دون الانتقال إلى المعنى المراد وقد عرفت أنه المعتبر وعن الثاني بأن التمسك بالأصل في مثل المقام غير وجيه أما أولا فلأن المعتبر في باب اللَّغات كون الدليل مفيدا للظن وأمثال هذه الأصول لا تفيده وأما ثانيا فلأن أصالة عدم الزيادة أنما يتمسك بها فيما إذا توافق المتخاصمان على أمر وادعى أحدهما الزيادة كما إذا اتفقا على وضع لفظ لمعنى وادعى أحدهما وضعه لمعنى آخر فإن الأصل حينئذ عدم الزيادة وكما إذا توافقا على دخول رجل في الدار وادعى أحدهما دخول آخر فيها فإن الأصل حينئذ عدم الزيادة وأما إذا لم يتوافقا فلا يتمسك بها كما في محل البحث لأن أحد المتخاصمين يدعى الوضع للماهية المركبة من قيد الوحدة والآخر للماهية المطلقة فليسا بمتوافقين في الدعوى نعم المدعي للوضع للماهية المركبة من قيد الوحدة يعترف بكون الماهية لها دخل في الموضوع له ومعلوم أن هذا المقدار لا ينفع قطعا وإلا لزم فيما إذا ادعى بعض وضع لفظ الإنسان للحيوان وآخر للحيوان الناطق أن يقال الأصل وضعه للحيوان المطلق الأصل عدم الزيادة وهو غلط وبالجملة مرجع أصالة عدم الزيادة إلى أصالة عدم الحادث ومعلوم عدم جريانها هنا نعم يمكن التمسك بأصالة عدم اعتبار الوحدة في الموضوع له لو ثبت دليل على أن الأصل في الوضع أن يكون للماهية المطلقة وادعى استثناء خصوص المسألة عن حكم الأصل من غير دليل ولكنه ممنوع وعن الثالث بأن الأصل أن يكون التبادر ناشئا عن الوضع ولكن الإنصاف أن كون الوحدة جزءا من مفهوم اللفظ بحيث يدل عليه بالتضمن مما يكاد أن يقطع بفساده فإن قلت معنى الوضع هو التعيين والتخصيص ومعناهما إثبات شيء لشيء ونفي شيء آخر عنه ففي وضع اللفظ للمعنى يجب تحقق النفي عن الغير وليس إلا عدم الغير الموضوع له وهو معنى الوحدة قلت لو سلم هذا فغاية الأمر كون ذلك من لوازم الوضع ومقتضياته لا من أجزاء الموضوع له واللفظ إنما يستعمل في الموضوع له نعم يلزم الاستعمال فيه المخالفة لإرادة الواضع لأنه أراد بوضعه عدم إرادة الغير لكن أي دليل يدل على أن هذه المخالفة توجب أن لا يكون الاستعمال حقيقة فتأمل لا يقال كيف يمكن دعوى عدم مدخلية الوحدة في الموضوع له والحال أن اللفظ وضع لمعنى مفرد لأنا نقول الوحدة الإفرادية الملحوظة في مقابلة التثنية والجمع غير الوحدة المبحوث عنها والشاهد بذلك أن الأولى لا تزول بالاستعمال في جميع المعاني قطعا والخصم معترف به لأنه جوز استعمال المفرد في معانيه مجازا بخلاف الثانية ويجاب بنحو هذا عن الوحدة المستفادة من التنكير فإذن القول بجواز الاستعمال حقيقة في جميع معانيه وجيه لكنه يحتاج إلى قرينة لما سنبيّنه في المقام الثالث وعلى هذا يكون النزاع في كونه حقيقة أو مجازا قليل الجدوى كما يظهر من الحاجبي وغيره بل لا فائدة فيه إلا أن يقال بظهورها فيما إذا دار تأويل الرواية بين حمل اللفظ المشترك على معانيه وبين التجوز في لفظ آخر أو التخصيص أو الإضمار فإنه على القول بكونه حقيقة يكون الأول أرجح لدوران الأمر بين الحقيقة والمجاز وقد يناقش حينئذ بالمنع من رجحان تقدم كل حقيقة حتى المفروض وأما الحجة الثانية فلأن قوله والظاهر إلى آخره إن كان وجهه نص أهل اللغة فنمنعه كيف وقال الأسنوي وللنحويين في تثنية المشترك وجمعه مذهبان صحّح ابن مالك أنه يجوز وقال شيخنا أبو حيّان المشهور المنع وأيضا الرازي أجاب عن الحجة التي أشار إليها بأن التثنية والجمع إنما يفيدان تعدد المعنى المستفاد من المفرد فإن أفاد المفرد التعدد أفاداه وإلا فلا وإن كان القياس على الأعلام فجوابه المنع من صحة القياس سلمنا ولكن نمنع من الحكم في المقيس عليه ودعوى كون التأويل بالمسمّى تعسفا لا يخلو عن إشكال إذ قال إذ قد يقال هو المفهوم عرفا المقام الثالث في أنه على تقدير جواز الاستعمال في جميع المعاني هل يحتاج في إرادتها إلى قرينة أو هي ظاهرة منه عند الإطلاق فيجب الحمل عليها مجردا عن القرينة اختلف فيه الأصوليين فصرّح جماعة كالفاضلين والرازي وغيرهم بكون المشترك مجملا عند الإطلاق كما عن القاضي في أحد النقلين وهو واضح على القول بالمجازية وأما على القول بالحقيقة فلأن الغالب إرادة المعنى الواحد من المشترك فيلحق به موضع الشك وحيث لم يكن متعينا لصلاحية اللفظ لكل معنى فيجيء الإجمال وقد أشار إلى هذا بعض المحققين وحكي عن الشافعي والغزالي في المستفصى والإمام في البرهان والقاضي أن اللفظ ظاهر في الجميع عند الإطلاق لوجوه الأول أصالة وجوب حمل اللفظ على المعنى الحقيقي الثاني أنه لو لم يحمل على الجميع فإما أن لا يحمل على شيء أو يحمل على واحد معين أو على واحد غير معيّن والثلاثة كلها باطلة فتعين الأول أما بطلان الأول فللزوم إلغاء اللفظ وخلوّه عن الفائدة وهو معلوم البطلان وأما بطلان الثاني فلأنه إن كان من جهة اللفظ فليس فيه ما يدل عليه وإن كان من جهة غيره فالمفروض عدمه وإن كان لا عن سبب فهو ترجيح بلا مرجح وهو باطل