السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

27

مفاتيح الأصول

وأما بطلان الثالث فللزومه الإجمال وهو بعيد من حال الشرع ولأن الغالب البيان فيلحق موضع الشك كمحل الفرض به ولا يتصور البيان فيه إلا بالحمل على الجميع الثالث أنه أحوط لأن الشارع إذا قال ائتني بعين وأتى بجميع معانيه حصل القطع بالخروج عن العهدة والامتثال ولا كذلك لو اقتصر على بعض المعاني الرابع جملة من الآيات الشريفة منها قوله تعالى إن اللَّه وملائكته يصلَّون على النبي الآية فإن المراد من الصّلاة الرحمة وهي صلاة الله والاستغفار وهو صلاة الملائكة ولا يجوز أن يراد به أحد المعنيين لأنه يلزم أن يكون أحد المتعاطفين بلا خبر ولا يجوز أن يشتركا في أحد المعنيين قطعا ومنها قوله تعالى ألم تر أنّ اللَّه يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدّواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب لأن المراد من السّجود وضع الجبهة وهو سجود كثير من الناس والخضوع والانقياد وهو سجود ما عداهم ممن أشير إليه في الآية الشريفة ومنها قوله تعالى والمطلقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء فإن المراد الطهر والحيض فإن المجتهدة متعبدة بكل واحد منهما بدلا من الآخر مشروطا بأداء اجتهادها إليه الخامس قول سيبويه من أن قول الإنسان لغيره الويل دعاء وخبر وفي الجميع نظر أما الأول فللمنع من كليته بحيث يشمل التام إذ لا دليل عليها من إجماع إذ المسألة خلافية ولا عقل ولا لغة على أن ذلك على القول بجواز إرادة المعنيين الحقيقيين من اللفظ الواحد وقد تقدم الكلام فيه وأما الثاني فللزوم الحمل على واحد غير معين قولكم يلزم الإجمال وهو بعيد من حال الشرع قلنا أي بعد فيه إذا تضمن مصلحة على أنه لا بد منه على القول بامتناع الاستعمال في المعاني الحقيقية فتأمل وقولكم الغالب البيان إلى آخره قلنا كذلك الغالب عدم استعمال المشترك في جميع معانيه ثم إن حصر البيان في إرادة الجميع ممنوع لإمكانه بإرادة القدر المشترك مجازا فإن قلت الأصل عدم المجاز قلت الأصل عدم استعمال المشترك في معانيه وأما الثالث فلأنه لا دليل على كون اللفظ ظاهر الدلالة على إرادة الجميع الذي هو المقصود في المقام لا يقال إذا ثبت تعلق الحكم بالجميع فلا فائدة في البحث في أنه من ظاهر اللفظ أو من دليل الاحتياط لأنا نقول كيف لا فائدة والحال أنه لو كان من ظاهر اللفظ لوجب الحمل على العموم حيثما يطلق مجردا عن القرينة سواء كان في مقام الطلب أو الإخبار دون ما إذا كان من جهة الاحتياط فإنه لا يجب الحمل على العموم إلا في مقام الطلب وأيضا لو كان من ظاهر اللفظ يحصل التعارض لو دلّ دليل على نفي الحكم عن بعض المعاني وأما إذا كان من جهة الاحتياط فلا وهو واضح وأما الرابع فللمنع من دلالة الآيات المزبورة على محل البحث أما الآية الأولى فلأنا نمنع من كون لفظ الصّلاة مشتركا بين العينين ولو سلَّم فنمنع إرادتهما معا من لفظ واحد في الآية الشريفة ولو سلم فنمنع من كون الإرادة من ظاهر اللفظ دون القرينة أما الأول فظاهر على القول بثبوت الحقيقة الشرعية قبل نزول الآية الشريفة وأما على القول بالعدم فلعدم الدليل على الاشتراك والمشهور أن الصلاة لغة الدعاء فيجب أن يكون مجازا في غيره لأنه خير من الاشتراك ودعوى الأصفهاني تبادر المعنيين منه ضعيفة قطعا وأما الثاني فلاحتمال أن يراد من الصلاة مفهوما كليا يحصل من المعطوف والمعطوف عليه وهو التعظيم وإظهار الشرف كما فسّره به الطبرسي والبيضاوي وأشار إليه الفيروزآبادي والفيومي وأيضا يحتمل إظهار لفظ يصلي قبل العطف كما في قوله نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض فإن التقدير فيه نحن بما عندنا راضون وعلى هذا أريد المعنيان من لفظين أحدهما مقدر والآخر مذكور وهو جائز اتفاقا كما قيل لا يقال هذان الاحتمالان مدفوعان بأصالتي عدم المجاز والإضمار ويزيد في دفع الثاني أن إضمار الفعل من غير المفسر غير جائز والفعل المذكور لا يصلح للتفسير لمخالفة معناه لمعنى المقدر لأنا نقول الأصلان معارضان بأصالة عدم استعمال المشترك في معانيه وقيل إن المعتبر في المفسر التوافق في اللفظ دون المعنى هذا وقد يدعى لزوم الإضمار على معمول واحد وهو باطل قال نجم الأئمة لأن عوامل النحو كالمؤثر الحقيقي عندهم والأثر الواحد لا يصدر عن مؤثرين مستقلين في التأثير كما بين في الأصول لأنه يستغنى بكل واحد منهما عن الآخر فيلزم من احتياجه إليهما استغناؤه عنهما انتهى لكن هذا على رفع الملائكة بالابتداء وأما على تقدير نصبه أو عطفه على المحل فلا يتم هذا الوجه لكن قال في المعارج وعلى قراءة النصب يكون الإضمار أدخل في التعظيم ثم إنه على تقدير عدم الإضمار يمكن أن يقال إن يصلَّون في التقدير مكرر لأنه صيغة جمع فتأمل وأما الثالث فلوجود القرينة وهي ما تقدم إليه الإشارة وأن منع من كونها قرينة منعنا من الاستعمال في جميع المعاني وأما الثانية فللمنع من كون السجود مشتركا بين المعنيين المتقدمين بل هو حقيقة في وضع الجبهة لتبادره وصحة السّلب عن غيره سلمنا الاشتراك لكن يحتمل أن يراد منه مطلق الخضوع القهري والتكويني وهو متحقق في جميع ما ذكر في الآية ولعل التخصيص بكثير من الناس مع تحقق الخضوع التكويني فيهم لأجل زيادته فيهم أو ليقابل به قوله تعالى وكثير حق