السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

256

مفاتيح الأصول

المساوي فيه حينئذ يجوز أن يكون حكم الأثقل خيرا لنا وأشار إلى ما ذكر في الإحكام فقال الجواب عن الآية الرابعة أنه إن كان ذلك عائدا إلى نسخ التلاوة فلا حجّة فيه إذ النزاع إنما هو في نسخ الأخف بالأثقل وإن كان مائدا إلى نسخ حكم الآية فالخبر في الأمور الدنيوية يرجع ما هو أكثر في الثواب ومنه يقال الفرض خير من النفل إنه أكثر في الثواب وإن كان أشق من النفل على النفس وفي الأمور الدنيوية يرجع إلى ما هو خير في العاجل والأصلح ولا يختص ذلك بالأسهل ولهذا يحسن أن يقول الطبيب للمريض الجوع والعطش أصلح لك وخير لك من الشبع والري وعلى هذا يمنع أن يكون التكليف بالأشق أكثر ثوابا وأصلح في المال على ما قال تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلى قوله تعالى إلا كتب لهم به عمل صالح وقال تعالى ومن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرا يره وقال تعالى جزاء بما كانوا يعملون وقال صلى الله عليه وآله لعائشة ثوابك على قدر نصيبك فكان التكليف بالأشق خيرا من الأخف وأما ثانيا فلأنّ غاية ما يستفاد من الآية الشريفة على تقدير تسليم دلالتها على إرادة نفي الأثقل عدم الوقوع لا على عدم جوازه الذي هو مورد البحث وأما ثالثا فلأن غاية ما يستفاد من الآية الشريفة نفي وقوع النسخ بالأثقل بعد نزولها لها لا مطلقا وتتميم الحجة بعدم القائل بالفصل ممنوع وأما رابعا فلأن الآية الشريفة غايتها الظهور وهو مدفوع بالأظهر الدال على تحقق النسخ بالأثقل ولولاه لكفي الأصل في دفعه إذ لا ريب في أن النسخ خلاف الأصل فتدبّر وفي العدة هذه الآية تدل على أن ما يأتي به أشق من الأول وفي حكم الأشق حتى يصلح أن يكون خيرا منها ومنها قوله تعالى يريد اللَّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر إذ لو جاز نسخ الأخف بالأثقل لكان مريدا للعسر وفيه تكذيب الخبر الصادق وفيه نظر أما أوّلا فللمنع من كون كلما هو أثقل عسرا بل يجوز اشتراك الأخف والأثقل في صدق اليسر وإن كان الأخف أيسر ولبس في الآية الشريفة دلالة على إرادة الأيسر فتدبر وأما ثانيا فلما ذكره في شرح المختصر فقال في مقام الجواب عن الحجّة المزبورة إنا لا نسلم عموم العسر في الآية بل هي مطلقة ولو سلم فسياقها يدل على إرادة ذلك في المال فاليسر هو تكثير الثواب من باب تسمية الشيء بمثل عاقبته مثل لدوا للموت إلى آخره فإن التّكليف يسمى يسرا باعتبار أن عاقبته تكثير الثواب ولو سلم أنه للفور لا للمال ولا مجازا باعتبار المال فهو مخصوص بما ذكرناه من النسخ بالأثقل كما هو مخصوص بخروج أنواع التكاليف وأنواع الابتلاء في الأبدان والأموال مما هو واقع ولا يعد ولا يحصى وقد أشار إلى ما ذكره في المختصر كما أشار إليه بقوله ولو سلم فسياقها إلى آخره في النهاية والإحكام إلى الجواب الأخير أيضا وقال في النهاية بعد ما أشار إليه من الجواب لئلا يتطرق إليه مخصصات كثيرة وقد صرّح بهذا في الإحكام أيضا ومنها قوله تعالى يريد اللَّه أن يخفف عنكم إذ ليس في النسخ بالأثقل تخفيف وأجاب عن هذه الحجة في المختصر بنحو الأجوبة عن الآية الثانية المتقدمة وقد صرّح بها هنا في الإحكام أيضا وأجاب في النهاية عنها بما أجاب به عن الآية الثانية ومنها قوله تعالى ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم والإصر هو الثقل أخبر تعالى أنه يضع عنهم الثقل الذي حملهم الأمم قبلهم فلو نسخ ذلك بما هو أثقل منه كان تكذيبا لخبر اللَّه تعالى وهو محال وأجاب في الإحكام عن هذه الحجة بأنه لا يلزم من وضع الإصر والثقل الذي كان على من قبلنا عنا امتناع ورود نسخ الأخف بالأثقل في شرعنا ومنها أن النسخ إما أن يكون لا لمصلحة أو لمصلحة الأول فهو عبث وقبيح فلا يكون جائزا من الشارع وإن كان لمصلحة فإمّا أن يكون أدنى من مصلحة المنسوخ أو مساوية لها أو راجحة عليها فإن كان الأول فهو أيضا ممتنع لما فيه من إهمال أرجح المصلحتين واعتبار أدناهما وإن كان الثاني فليس الناسخ أولى من المنسوخ فلم يبق غير الثالث فإن كان النسخ إنما يكون للأصلح والأنفع والأقرب إلى حصول الطاعة فذلك كما يكون بنقل المكلفين من الأشد إلى الأخف ومن الأصعب إلى الأسهل لكونه أقرب إلى حصول الطاعة وأسهل في الانقياد وإذا كان بالعكس كان من المكلفين لأنهم إن فعلوا التزموا المشقة الزائدة وإن تركوا استضروا بالعقوبة والمؤاخذة وذلك غير لا يقال بحكم الشارع وأجاب في الإحكام عن هذه الحجة فقال إن ما ذكروه لازم عليهم في ابتداء التكليف ونقل الخلق عن الإباحة والإطلاق إلى مشقة التكليف وكذلك نقلهم من الصحة إلى السقم ومن الشباب إلى الهرم ومن الجدة إلى العدم وإعدام القوى والحواس بعد وجودها فإن ما نقلتم إليه أشق عليهم ممّا نقلهم عنه وكلما ذكروه فهو بعينه لازم هاهنا وما هو الجواب لهم في صور الالتزام فهو جوابنا في محلّ النزاع انتهى وأشار إلى ما ذكره في غاية المأمول والمختصر وشرحه والمعتمد عندي في المسألة هو القول الأول مفتاح هل يجوز نسخ الحكم من غير إثبات بدل له بالخصوص أو لا اختلفوا في ذلك على قولين الأول أنه يجوز ذلك وهو للذريعة والعدة والمعارج والنهاية والمبادي والتهذيب والمنية وشرح والمبادي والزبدة والإحكام والمعراج والمختصر وشرحه وحكى هذا في جملة من الكتب عن المعظم نفي النهاية كما يحسن النسخ إلى البدل كذا يحسن نسخه إلى غير بدل عند المحققين خلافا لقوم وفي شرح المبادي المحققون على جواز نسخ الشيء إلى غير بدل خلافا لقوم وفي غاية المأمول ذهب إلى ذلك الأكثر وفي الإحكام مذهب الجميع جواز نسخ الخطاب لا إلى بدل خلافا لبعض الشذوذ