السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
257
مفاتيح الأصول
وفي المختصر الجمهور على جواز النسخ من غير بدل وفي شرحه قد اختلف في جواز نسخ التكليف من غير تكليف آخر يكون بدلا عنه فجوزه الجمهور ومنعه قوم الثاني أنه لا يجوز وهو للمحكي في المعارج والمنية والمعراج وغيرها عن قوم وفي غاية المأمول ذهب إليه داود الظاهري وقد يحكى عن الشافعي للأولين وجوه منها أنه لو لم يجز ذلك لم يقع والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فظاهرة وأما بطلان التالي فلوجوه أحدها ما تمسّك به في العدة والمعارج والنهاية والتهذيب والمنية والزبدة وغاية المأمول والإحكام والمعراج من أن وجوب الصدقة إما مناجاة الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم المستفاد من قوله تعالى يا أيها الَّذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة قد نسخ بلا بدل بالاتفاق على ما حكاه في المنية والمعراج وثانيها ما تمسك به في النهاية وشرح المبادي وغاية المأمول والمختصر وشرحه من أنه تعالى نسخ وجوب الإمساك إلى آخر اليوم الثاني بعد أن أفطر بعد المغرب من غير بدل وثالثها ما تمسّك به في العدة من أنه نسخ ما زاد على الاعتداد على أربعة أشهر وعشر عن المتوفى عنها زوجها لا إلى بدل ورابعها ما تمسّك به في النهاية والمختصر وشرحه من أنه نسخ تحريم ادخار لحوم الأضاحي من غير بدل وأورد عليه في غاية المأمول فقال بعد الإشارة إليه قلت ليس هو من النسخ لا إلى بدل فإن الحكم الذي هو التحريم قد ارتفع عن الادخار وتعلق به حكم هو الإباحة الشّرعية فهو نسخ إلى بدل فإن قلت فعلى هذا يكون كلّ نسخ إلى بدل فإن الحكم لا بد أن يرتفع بدليل شرعي وهو يكون مثبتا للحكم البتة مثلا إذا نسخ التحريم بدليل شرعي ثبت الإباحة والجواز بمعنى الإذن في الفعل والترك فالنسخ الدال على التحريم دلّ على ثبوت الجواز قلنا هذا إنما هو إذا صرح بالناسخ كما في نسخ الادخار فإنه صلى الله عليه وآله قال ألا فادّخروها وأما فيها إذا لم يذكر فيه إلا رفع الحكم فلا نسلم ذلك بل لو ثبت فإنما هو يعود إلى الإباحة الأصلية ومنها ما تمسّك به في المعارج من أن النسخ تابع للمصلحة فإذا كان للشيء مصلحة في وقت أمر به وإذا انقلب مفسدة نهي عنه ثم لا يلزم البدل وأشار إلى هذا الوجه في المنية وغاية المأمول والإحكام والمختصر وشرحه ومنها ما تمسّك به في النهاية فقال ولأن المقتضى للمنع زائل ومقتضى الجواز ثابت فثبت الجواز أما المقدمة الأولى فلأن المقتضى للمنع إما امتناع تسميته نسخا وهو باطل لأن النسخ من الإزالة ولا دليل على اشتراط البدل في الاسم فلا يشترط فيه وأما انقضاء حسنه فهو باطل لجواز أن يكون مثل المصلحة مفسدة في وقت آخر من غير أن يقوم مقامها فعل آخر كما يجوز ذلك وإن قام مقامها آخر فلا فرق في العقل بينهما فجاز نسخهما إلى غير بدل كما جاز إلى بدل وإما لعدم وقوعه في الشرع وهو باطل لوقوعه في المناجاة وغيرها ولأن عدم الوقوع لا ينافي الجواز وإما لورود الشرع ومنع وقوعه وهو باطل لأن في وقوعه في الشرع بطلان ذلك ولم يوجد من الشريعة ما يدل على المنع ومنها ما تمسك به في الإحكام فقال لأنا لو فرضنا وقوع ذلك لم يلزم منه لذاته محال في العقل ولا معنى للجائز عقلا سوى هذا وللآخرين قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فإنه يدل على أنه تعالى يأتي بخير من المنسوخ وعدم الحكم لا يكون خيرا من وجوده وأجيب عنه بوجوه الأول ما ذكره في التهذيب وغاية المأمول والإحكام والمختصر وشرحه والمعراج من أنه يجوز أن يكون العدم خيرا من ثبوت الحكم في وقت نسخه وزاد في المعراج فقال لأن المراد من الخبر ما هو أعظم ثوابا وأصلح لنا معادا وأورد على هذا الجواب في المنية فقال وفيه نظر من حيث أن العدم شر ولا يكون خيرا ولأنه لا يوصف كونه بنا بنائه ولا يحصل الفاعل لعدم الفائدة في ذلك لأن كل أحد يعلم أن دفع كلّ شيء يوجب تحقق نقيضه ولأنه رتب النسيان على النسخ الَّذي هو رفع الحكم فيجب مغايرته الثاني ما ذكره في النهاية والتهذيب والمنية وغاية المأمول والإحكام وشرح المختصر من أن المراد من خير منها اللَّفظ قال في التهذيب إذ هو المفهوم هنا وفي المنية ولهذا قال نأت بخير منها أو مثلها وليس للحكم ذكر فيكون المراد ما هو أفصح منها أو مثلها في الفصاحة انتهى وأورد على هذا الجواب في النهاية فقال فيه نظر لأنّ النسخ شرعا هو رفع الحكم والأصل حمل اللفظ الشّرعي على ما صنعه لا على العرف اللَّغوي انتهى وفيه نظر للمنع من صيرورة لفظ النسخ وما يشتق منه حقيقة شرعية في رفع الحكم سلمنا ولكن نمنع من ثبوت ذلك وقت الخطاب سلمنا ولكن لا بد من ارتكاب التأويل في الآية الشريفة بالضرورة ومن الظاهر أن التجوز في النسخ بحمله على معناه اللغوي أولى من إضمار الحكم أو حمل الآية عليه مجازا سلمنا ولكن لا أقل من التوقف ومعه يسقط الاستدلال كما لا يخفى الثالث ما ذكره في غاية المأمول وشرح المختصر والإحكام من أن الآية الشريفة ليست صريحة في المدعى بل غايتها الدلالة عليه بالعموم وهو مخصص بما دلّ على النسخ لا إلى بدل وزاد في الإحكام فمنع من عموم الآية الشريفة والمعتمد عندي في المسألة هو القول الأول وينبغي التنبيه على أمرين الأوّل قال في الذريعة من شرط النسخ أن يكون في الأحكام الشرعية دون أجناس الأفعال وينقسم إلى ثلاثة أقسام أحدها أن يزول الحكم لا إلى بدل والثاني أن يزول إلى بدل والثالث أن يزول إلى بدل يخالفه فأما زواله لا إلى بدل فإنما يكون نسخا لأن علم به أن مثل الحكم الثابت بالنّص المتقدم يرتفع في المستقبل لأنه إذا زال إلى بدل فالذي أوجب كونه منسوخا زواله لا ثبوت البدل لأنه لو ثبت من دون زوال الأول لم يكن نسخا ومن