السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

255

مفاتيح الأصول

أيضا من أنه لو جاز نسخ ما ورد بلفظ التأبيد لم يكن لنا طريق إلى العلم بدوام العبادة ثم أجاب عنه كما في الإحكام بأنه إنما يتم لو كان لفظ التأبيد يفيد العلم ولا طريق سواه وهما ممنوعان أما الأول فلما سبق ولأن الألفاظ لا تفيد العلم الضّروري وأما الثاني فلجواز أن يخلق اللَّه تعالى العلم الضروري بذلك أو يقترن باللفظ من القرائن المفيدة لليقين وزاد في الأحكام فقال ثم ما ذكروه لازم عليهم في تخصيص العام المؤكد فإنه جائز مع توجه ما ذكروه في النسخ بعينه عليه إذ ذلك يكون متحدا وفي النهاية وعلى قول أبي الحسين طريق آخر أن لا يقترن بالأمر ما يدل على أن المراد بعض الأزمان إما مجملا أو مفصّلا ومنها ما حكاه في النهاية عن المانع أيضا من أن لفظ التأبيد يفيد الدوام إذا وقع في الخير فإذا أخبر بلفظ يفيد التأبيد لم يجز نسخه فيجب في الأمر مثله ثم أجاب عنه كما في الإحكام بالمنع من ذلك من الخبر أيضا بل هو كالأمر في الصّلاحية للنسخ والمسألة لا يخلو من إشكال ولكن المعتمد هو القول الأول وينبغي التنبيه على أمور الأوّل قال في غاية المأمول والمختصر وشرحه إن كان التأبيد قيد للوجوب وبيانا لمدّة بقاء الوجوب واستمراره مثل أن يقول الصّوم واجب مستمر أبدا لم يقبل وإلا قبل وهو تفصيل جيد وحجته واضحة وليس هو قولا ثالثا في المسألة إذ من الظاهر أن القائلين بجواز النسخ هنا لا يريدون صورة النّصية ولكن لا يخفى أن مجرد كون التأبيد قيدا للحكم لا يقتضي النصيّة ولا يخص هذا التفضيل بلفظ التّأبيد بل كلما دلّ على استمرار الحكم على وجه يحصل فيه العلم به لا يجوز نسخه لفظا كان أو غيره لامتناع الكذب والبلاء الحقيقي فيشترط في المنسوخ أن يكون ما دلّ على استمراره ظاهرا مفيدا للظنّ به الثاني لا فرق في عدم منع التقييد بالتأبيد النسخ بين الجملة الإنشائية والخبرية كما صرّح به في النهاية والإحكام وهو ظاهر إطلاق كلام المعظم الثّالث لا يختلف الحكم بجواز النسخ مع قيد التأبيد بين أن يكون في كلامه تعالى أو كلام رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم الرّابع الظاهر أن لفظ الدّوام كلفظ التأبيد في عدم المنع من النسخ مفتاح لا إشكال في أنه يجوز النسخ إلى بدل أخف منه أو مساو له وقد صرّح بدعوى اتفاق القائلين بالنسخ عليه في الإحكام وشرح المختصر وغاية المأمول وهل يجوز النسخ إلى بدل هو أشق وأثقل منه أو لا بل يشترط الأخفية أو المساواة اختلفوا فيه على قولين الأوّل أنه يجوز ذلك ويكون واقعا وهو للذريعة والعدّة والنهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية والزبدة وغاية المأمول والإحكام والمختصر وشرحه والمعراج وفي النهاية وشرح المبادي ذهب إليه المحققون وفي غاية المأمول هو المشهور وعليه الجمهور وفي شرح المختصر ذهب إليه الجمهور وفي الإحكام هو مذهب أكثر أصحابنا وجمهور المتكلمين والفقهاء جوازه الثاني أنه لا يجوز ذلك وهو للمحكي في غاية المأمول وشرح المختصر والمعراج عن قوم وفي شرح المبادي ذهب إليه بعض أهل الظاهر وفي النهاية خالف فيه بعض أهل الظاهر وبعض الشافعية وبعضهم منع عن الوقوع دون الجواز وفي المنية خالف فيه بعض فجوزه قوم ومنعوا من وقوعه وفي الإحكام خالف فيه بعض أصحاب الشافعي وبعض أهل الظاهر ومنهم من أجازه عقلا ومنعه سمعا انتهى للأولين وجهان أحدهما ما تمسّك به في الذريعة والعدة وغاية المأمول من أن التكليف على سهيل الابتداء وعلى جهة النسخ إنما هو تابع للمصلحة وقد يتفق المصلحة في الأشق والأخف وفي الأشق من زيادة التّعريض للثواب ما ليس في الأخف وزاد في العدة فقال علي أن ما قالوه يقتضي قولهم في الحقيقة أخف عليه وأنفع له لعظيم النفع الَّذي فيه لأنه متى نسخ الحكم بما هو أشق منه كان هو مؤديّا إلى ثواب زائد على ما يؤدّي إليه الأخف فصار في الحقيقة أخف عليه وأنفع له لعظيم النفع الَّذي فيه ومن منع من ذلك فكأنه منع من أن يعرض اللَّه المكلَّف لتكليف زائد يؤدّيه إلى زيادة ثواب وثانيهما أنه لو لم يكن جائزا لما كان واقعا والتالي باطل فالمقدم مثله أمّا الملازمة فظاهرة وأما بطلان التالي فلوجوه الأول ما تمسّك به في النهاية والتهذيب والمنية والزبدة وغاية المأمول والإحكام والمختصر وشرحه والمعراج من أن صوم عاشوراء نسخ بصوم رمضان وهو أشق الثاني ما تمسّك به في العدة والتهذيب والنهاية والمنية وشرح المبادي والإحكام والمختصر وشرحه من أن وجوب الحبس في البيت حدا على الزاني نسخ بالضرب بالسياط والحر والتعريب في حد البكر والرمي بالحجارة في حد المحصن وهو أشق الثالث ما تمسك به في العدة والنهاية والتهذيب والمنية وغاية المأمول والإحكام والمختصر وشرحه من أن تخيير المكلَّف بين صوم شهر رمضان والفدية بالمال الثابت في مبدأ الإسلام نسخ يتعين الصّوم وهو أشق الرابع ما تمسّك به في النهاية وغاية المأمول والمعراج من أنه نسخ وجوب كف النفس عن الكفار بوجوب القتال معهم وهو أشق ومنها ما تمسّك به في النهاية من أنه نسخ جواز بقوله تعالى ودع أذاهم تأخير الصّلاة عند الخوف بإيجابها في أثناء القتال وهو أشق وللآخرين وجوه منها قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها والوجه في الاستدلال ما ذكره في الإحكام فقال وليس المراد منه أن يأتي بخبر من الآية في نفسها إذ القرآن كله خير لا تفاضل فيه وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا وذلك هو الأخف والأسهل في الأحكام انتهى وفيه نظر أما أولا فلما ذكره في النهاية والتهذيب والمنية وغاية المأمول والمعراج وشرح المختصر فقالوا نمنع من كون المراد بالخير الأخف وبالمثل المساوي بل المراد واللَّه أعلم بالخير الأكثر ثوابا وأصلح معادا و