السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
254
مفاتيح الأصول
نقول المعلوم أن الأحب إلى أهل النار كلهم الموت في تلك الحالة وقد أخبر اللَّه تعالى عنهم جميعا ولم يخص أحدا منهم دون آخر فوجب القضاء بالعموم هذا وفي الدّليل نظر لا يخفى انتهى ومنها ما تمسّك به في المختصر وشرحه فقالا لنا أنه لا يزيد في دلالته على جزئيات الزّمان على دلالة قوله صم غدا على صوم غد وقد قدمنا أن ذلك قابل للنسخ فإذا جاز ذلك مع قوّة النصوصية فيما يتناوله فهذا مع احتماله أن لا يتناوله أولى بالجواز وللقول الثاني وجوه أيضا منها ما حكاه في النهاية والمنية وشرح المبادي عن المانع من النسخ مع قيد التأبيد مساو للتنصيص على المأمور به في كل وقت من الأوقات فكما أن نسخ الثاني ممتنع فكذا الأول وفيه نظر لأنا لا نسلم أنه موضوع للدّوام وعدم الانقطاع أصلا بل هو موضوع للزّمان الطَّويل وهو القدر المشترك بين المنقطع وغيره وقد أشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي العدة في مقام الاحتجاج على ما صار إليه من الجواز هنا قول المخالف بعيد لأن لفظ التأبيد عندنا في الأمر لا يقتضي الدوام على ما تعورف استعماله لأن قول القائل لغيره لازم غريمك أبدا ولابنه تعلم العلم أبدا لا يقتضي عندهم الدوام وبفارق ذلك حال الخبر الذي يتناوله ما يصحّ الإدامة فيه على أنه صحيح الخبر أيضا لأنه لا يفيد الإدامة ولأجل ذلك يمنع أصحاب الوعيد من المعلومات بأن الوعيد المتضمن للفظ التأبيد وإذا لم يقتض ذلك فكيف يمنع من نسخه في ذلك وفي الذريعة في المقام المذكور قول المخالف باطل لأن التأبيد في التعارف يقتضي التوقيت كقول القائل لازم الغريم أو تعلم العلم أبدا وقد ثبت أن التكليف منقطع وإن انقطاعه متوقع من وجوه فكيف يمنع هذا اللفظ من النسخ ولو منع من ذلك لمنع من العجز ووجه التعذر وفي المعارج في المقام المذكور لأنه يستعمل فيما لا يراد به الدّوام فإنه يقال تعلَّم العلم أبدا وفي النهاية والمبادي والتهذيب والمنية وغاية المأمول والإحكام في مقام الجواب عن احتجاج اليهود على عدم نسخ شريعة موسى عليه السّلام بقوله تمسّكوا بالسّبت أبدا هو باطل لأن الأبد يطلق على الزمان الطويل بقوله في التوراة يستخدم العبد ثم يعرض عليه العتق فإن أبى يثقب أذنه ويستخدم خمسين سنة ثم يعتق في تلك السنّة وزاد في المنية فقال فإما أن يكون أحدهما ناسخا للآخر فثبت المطلوب وإلا ثبت أن الأبد يطلق على الزّمان المتطاول وزاد في النهاية فقال قال قاضي القضاة الأمر بالفعل لا يقتضي الدوام لعلمنا أن التكليف ينقطع ولهذا لا يفهم من قول القائل لغيره لازم فلانا أبدا احبسه أبدا واعترضه أبو الحسين بأن التّأبيد يفيد الدّوام في الأوقات كلها وإنما يخصّها بعد الموت والعجز من الخطاب لدلالة وما عداهما باق على الظاهر كما لو قال افعل في كلّ وقت إلى أن تعجز وتموت حيث ما يقوله مخالفا من العموم وفيه نظر فإنا نعلم أن التكليف كما ينقطع بالنسخ فإذا اقتضى الأوّل الخروج من الدّلالة اقتضاه الثاني وحينئذ لا منافاة بين كلام موسى عليه السّلام وبين النسخ كما لا منافاة بينه وبين الموت والعجز انتهى سلَّمنا أنه موضوع للدّوام الغير المنقطع ولكنه ليس نصّا فيه كما أن الأمر الموضوع للوجوب ليس نصا فيه وقد أشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي العدة بعد ما حكينا عنه سابقا ولو أنه تناول ما قال لم يمنع ذلك من نسخه لأنه كان يدل على أنه لم يرد باللفظ ما وضع له فيجري النسخ مجرى التخصيص وفي المعارج بعد ذلك سلمنا أنه حقيقة لكن ورود الناسخ يدل على أنه لم يرد الدوام وكما أن العام حقيقة في الاستغراق ثم مع ورود المخصّص يعلم أنه لم يرد فكذا هنا وفي النهاية في مقام الجواب عن الحجّة المذكورة الجواب بالفرق بين ذكر الشيء مفصّلا ومجملا ولهذا جاز التخصيص في لفظ العام وإن تناول كلّ فرد بخلاف إخراج بعض الأفراد التي فصّلت ثم قال أيضا فإن ذلك يمنع من النسخ كلَّه لأن المنسوخ لا بد من كونه لفظا مفيدا للدّوام إما بنفسه أو بدلالة لامتناع وروده على المرّة ثم قال كما في الإحكام وأيضا يمنع تنزيله منزلة التنصيص على كلّ وقت بعينه بل في العرف يطلق على المبالغة كما في قولنا لازم فلانا أبدا وفي المنية في المقام المذكور والجواب المنع من المساواة فإن الأول قابل للتخصيص بالاستثناء وغيره والثاني ليس كذلك انتهى سلمنا أنه نصّ في ذلك ولكن مع ذلك لا يمنع من النسخ كما أشار إليه في شرح المختصر فقال التأبيد معناه أنه دائم والنسخ ينفي الدّوام ويقطعه فكان متناقضا فلم يجز على اللَّه الجواب لا نسلم التناقض إذ لا منافاة بين إيجاب فعل مقيد بالأبد وعدم أبدية التكليف به وذلك كما لا منافاة بين إيجاب صوم مقيد بزمان وأن لا يوجد الوجوب في ذلك الزمان كما يقال صم غدا ثم ينسخ قبله وذلك كما يتعلَّق التكليف بالصّوم في غد ثم يموت قبل غد فلا يوجد في غد التكليف ومنها ما حكاه في النهاية عن المانع من النسخ هنا من أنه لو أمر بالعبادة بلفظ يقتضي الاستمرار أو لمجاز فيه دخول النسخ عليه فلو جاز ذلك مع التقييد بالتأبيد لم يكن للتقييد به فائدة ثم أجاب عنه كما في الإحكام بالمنع من الملازمة فإن الفائدة تأكيد الاستمرار والمبالغة فيه وذلك لا يمنع من النسخ كما لا يمنع تأكيد العام من تخصيصه وكما نعلم بعد التخصيص أن المراد بتأكيد العام المبالغة فيه كذا نعلم بعد النسخ أن المراد من التأكيد المبالغة في الاستمرار لا نفس الاستمرار ومنها ما حكاه في النهاية من المانع