السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
245
مفاتيح الأصول
من لوازم مفهوم التخصيص بل التخصيص أعم من النسخ في جميع الصّور المذكورة السّابع قال في الذريعة في مقام ذكر الفرق بين البداء والنسخ اعلم أن البداء في اللغة الظهور وإنما يقال بد الفلان كذا إذا ظهر له من علم أو ظن ما لم يكن ظاهرا وللبداء شرائط وهي أربعة أن يكون الفعل المأمور به واحدا والمكلَّف كذلك والوجه كذلك والوقت كذلك مما اختص بهذه الوجوه الأربعة من أمر بعد نهي أو نهي بعد أمر أمضى البداء وإنما قلنا إن ذلك يدلّ على البداء لأنه لا وجه إلا تغير حال المكلف في العلم أو الظن لأنه لو كانت حاله على ما كانت عليه لما أمر بنفس ما نهى عنه أو نهى عن نفس ما أمر به مع باقي الشرائط وكان أبو هاشم يمنع في اللَّه سبحانه أن يأمر بما نهى عنه مع باقي الشرائط لوجهين أحدهما لأن البداء والآخر لأنه يقتضي إضافة القبح إليه تعالى أما الأمر أو النهي وهو أحد قولي أبي علي والقول الآخر له أن يمنع من وقوعه منه تعالى للوجه الأخير الذي ذكرناه من اقتضائه إضافة القبيح إليه جل اسمه لأن البداء لا يتصور فيمن هو عالم لنفسه والأولى أن يمنع الوجهين لأن ما من شأنه أن يدلّ على أمر من الأمور وإلا مختاره القديم تعالى مع فقد مدلوله لأن ذلك يجري مجرى كل فعل قبيح الأثر وإن فعله تعالى ما يطابق أفواح الطالب لتصديقه لما كان دلالة التصديق لم يجز أن يفعله مع الكذاب لأنه يدل على خلاف ما الحال عليه والنسخ إنما يخالف البداء بتغاير الفعلين فإن الفعل المأمور به غير المنهي عنه وإذا تغاير الفعلان فلا بدّ من تغاير الوقتين فكان النسخ يغاير البداء بتغاير الفعلين والوقتين انتهى وقد أشار إلى الفرق المذكور في النّهاية والأحكام أيضا مفتاح النسخ في الشرائع جائز عقلا ولا يكون ممتنعا وقد صرّح به في الذريعة والعدة والمعارج والنهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية والمعالم والزبدة وغاية المأمول والإحكام والمعراج وشرح المختصر وفي الأوّل لا خلاف بين المسلمين في جواز نسخ الشرائع وإنما الخلاف فيها مع اليهود ولا معنى للكلام على اليهود في أبواب أصول الفقه ومن شذ من جملة المسلمين فخالف في هذه المسألة فإنما خلافه يرجع إلى عبادة ولا مضايقة في العبادات مع سلامة المعاني وفي الثاني الخلاف في جواز نسخ الشرعيات مع اليهود وقد حكى حكاية ممن لا يعتد بقوله من أهل الصّلاة الامتناع من نسخ الشرائع وقوله مطروح لا يلتفت إليه واليهود على ثلاث فرق إحداها يمنع من نسخ الشرائع عقلا والفرقة الثانية يجوز النسخ عقلا ويمنع منه سمعا والفرقة الثالثة يجوز النسخ عقلا وسمعا وإنما ينكر نبوة نبينا صلى الله عليه وآله لأنه ما يدعي أنه من المعجزات عندهم ليست بدلالة وفي الرابع اتفق المسلمون على جواز النسخ عقلا وهو قول أرباب الشرع إلا بعض اليهود واتفقوا على وقوعه سمعا إلا ما نقل عن أبي مسلم ابن بحران الأصفهاني فإنه أنكر سمعا وجوّزه عقلا وعن بعض اليهود أيضا وعن بعضهم جوازه عقلا ووقوعه سمعا وفي السادس أكثر المسلمين على جوازه وخالف في ذلك أبو مسلم الأصفهاني وجماعة من اليهود وفي السابع اتفق المسلمون على جواز النسخ خلافا لأبي مسلم الأصفهاني وبعض اليهود وفي الثامن أكثر الناس على أن النسخ ممكن عقلا وواقع سمعا خلافا لأبي مسلم بن بحر الأصفهاني في الثاني ولبعض اليهود فيها وفي الحادي عشر اتفق أهل الملل قاطبة على جواز النسخ وعلى وقوعه وخالف في الجواز بعض طوائف اليهود وهم فرق فرقة منعته سمعا محتجين بما روي عن موسى عليه السلام وفرقة جوزت النسخ عقلا وسمعا لكنها أنكروا معجزاته صلى الله عليه وآله وزعموا أنه عليه السلام لم يأت بمعجزة تشهد بصدقة كمعجزات موسى عليه السلام قالوا لو جاء بذلك لصدّقنا وحكمنا بأن شريعته ناسخة للشّرائع المتقدمة مما يخالفها وفرقة أقرت بنبوته صلى الله عليه وآله بظهور المعجزات على يده لكنها زعمت أنه مرسل إلى العرب بدون العجم وهم عنادية يحتمل أنهم يجوّزون النسخ إنهم يمنعونه كأصحابهم ويقولون إن شريعة موسى عليه السلام لم ينسخ بل باقية وفي الثاني عشر قد اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلا وعلى وقوعه شرعا ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الأصفهاني فإنه منع من ذلك شرعا وجوزه عقلا ومن أرباب الشرائع سوى اليهود هو ثلاث فرق فذهب السّمعية إلى امتناعه عقلا وسمعا وذهب العياشية إلى امتناعه سمعا لا عقلا وذهب العيسوية إلى جوازه عقلا ووقوعه شرعا واعترفوا بنبوّة محمد صلى الله عليه وآله لكن إلى العرب خاصة لا إلى الأمم كافة وفي الثالث عشر اعلم أن النسخ جائز الوقوع عند الأكثر خلافا لليهود فإنهم يقولون باستحالة وقوعه وفي الرابع عشر أجمع أهل الشرائع على جواز النسخ ووقوعه وخالفت اليهود غير العيسويّة فقالوا يمتنع عقلا انتهى وقد تحصل مما ذكروه أن في المسألة قولين أحدهما وهو الذي عليه المعظم جواز النسخ عقلا وثانيهما وهو الذي عليه فرق من اليهود منعه كذلك للأوّلين وجوه منها ما تمسك به في الذريعة والعدة والمعارج والنهاية والتهذيب والمبادي والمنية والزبدة وغاية المأمول من أن الشرائع تابعة للمصالح وهي جائزة الاختلاف فجاز اختلاف ما هو تابع لها فلا امتناع في كون الوجوب مصلحة في وقت ومفسدة