السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
246
مفاتيح الأصول
في آخر فلو كلف به دائما لزم التكليف بالمفسدة فيجب نسخه في وقت كونه مفسدة لا يقال لا نسلم جواز اختلاف المصالح لأنا نقول فساد هذا المنع في غاية الظهور قال بعض المحققين إن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال حتى أن مصلحة بعض الأشخاص في الغنى أو الصّحة أو التكليف ومصلحة الآخر في نقيضه فلذلك جاز أن يختلف المصلحة باختلاف الأزمان حتى أن مصلحة بعض أهل الزمان في المداراة والمساهلة ومصلحة أهل زمان آخر في الشدة والغلظة عليهم إلى غير ذلك من الأحوال وإذا عرف جواز اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان فلا يمتنع أن يأمر اللَّه تعالى للمكلف بالفعل في زمان لعله بمصلحة فيه وينهاه عنه في زمان آخر لعلمه بمصلحة فيه كما يفعل الطبيب بالمريض حيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الأزمنة وينهاه عنه في زمن آخر بسبب اختلاف مصلحة عند اختلاف مزاجه وكما يفعل الوالد بولده من التّأديب له وضربه في زمان واللين له والرفق به في زمان آخر على حسب ما يراه له من المصلحة ولذا خصّ الشارع كل زمان بعبادة غير عبادة الزّمان الآخر كأوقات الصّلاة والحج والصيام ولولا اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لما كان كذلك ومع اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لا يكون النسخ ممتنعا انتهى ولا يقال إن هذا يتم على القول بأن الشرائع تابعة للمصالح كما عن أصحابنا والمعتزلة وأما على القول بأنها ليست كذلك كما عن الأشاعرة فلا يتم الحجة المزبورة لأنا نقول قول الأشاعرة باطل ولو سلمناه فالحكم بجواز النسخ عليه صحيح أيضا كما أشار إليه في النهاية والإحكام والمعراج وشرح المختصر فقالوا يجوز النسخ عقلا سواء اعتبرت المصالح أو لا أما إذا لم تعتبر مطلقا فلأن اللَّه تعالى يفعل ما شاء وأما إذا اعتبرت فلأنا نقطع بأن المصلحة تختلف باختلاف الأوقات كشرب دواء في وقت دون وقت فلا بعد أن يكون المصلحة في وقت تقتضي شرع ذلك الحكم وفي وقت دفعه ومنها ما تمسّك به العدّة والمعارج والتهذيب والنهاية والمنية والإحكام والمعراج من أن الدلائل القطعية دلَّت على نبوة نبيّنا صلى الله عليه وآله ويلزم من ذلك نسخ شرع من قبله قال في النهاية اعترض مانع النسخ من المسلمين يمنع توقف نبوة محمد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم على النسخ لجواز أن يكون موسى عليه السلام وعيسى عليه السّلام أمرا باتباع شرعهما إلى ظهور محمد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم يزول التعبد بشرعهما ويبقى التعبد بشرع محمد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم من غير نسخ وبهذا القدر ورد عن موسى عليه السّلام وعيسى عليه السّلام بمحمد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم في القرآن ثم قال الجواب أن المسلمين اتفقوا على أنه تعالى ميز شرع موسى عليه السّلام بلفظ يدل على الدوام ومنها ما تمسّك به العضدي فقال لنا إنا نقطع بجوازه عقلا وأنه لو فرض وقوعه لم يلزم منه محال لذاته سواء اعتبرت المصالح أم لا وللآخرين وجوه أيضا منها ما أشار إليه في المعارج فقال احتج المانع بأنه لو جاز النسخ لزم رفع الثقة بدوام الأحكام وفيه نظر للمنع من الملازمة كما أشار إليه في المعارج فقال الجواب نحن نعلم دوام كثير من الأحكام بالظاهر من مقاصد الشرع فيكون الوثوق بالدوام حيث يكون الأمر كذلك دون غيره انتهى سلمنا ولكن نمنع من بطلان التالي إذ لا ضرر يترتب على عدم الوثوق مع لزوم الحكم ببقاء الحكم الشرعي حيث لم يظهر الناسخ ولزوم الحكم بارتفاعه حيث ظهر ومنها ما أشار في المعارج أيضا فقال احتج المانع بأن إطلاق الأمر يدل على استمرار الإلزام بالفعل فلو لم يرد دوامه لوجب بيان مدّته وإلا لزم الإغراء باعتقاد الجهل ثم أجاب فقال والجواب لا نسلم لأن المكلَّف يعلم أن تغير المصالح موجب لتغير التكليف في ذلك بمنعه عن القطع باعتقاد الدّوام انتهى وأشار إلى هذا الجواب في العدة أيضا وفي الإحكام قولهم الأول أنه يلزم منه جهل المكلَّف واعتقاد التّأبيد فقد أجاب عنه أبو الحسين البصري بأنه إنما يفضي ذلك أن لو لم يكن قد اقترن بالخطاب المنسوخ ما يشعر بنسخه وليس كذلك وقد بيّنا إبطال ما ذهب إليه في تأخير البيان إلى وقت الحاجة والوجه في الجواب أن يقول دلالة الخطاب على التأبيد لا يلزمها التّأبيد مع القول بجواز النسخ فإذا اعتقد المكلَّف التأبيد فالجهل جاء من قبل نفسه لا من قبل ما اقتضاه الخطاب بل الواجب أن يعتقد أن التّأبيد شرط عدم الناسخ ثم وإن أفضي ذلك إلى الجهل في حق العبد فالقول بقبح ذلك من اللَّه تبارك وتعالى مبني على التحسين والتقبيح العقليّين وقد أبطلناه فيما تقدم متى يكون قبيحا إذا استلزم مصلحة تزيد على مفسدة جهله أو إذا لم يكن ذلك والأول ممنوع والثاني مسلَّم وبيان لزوم المصلحة الزائدة ما فيه من زيادة الثّواب باعتقاد دوام ما أمر به والعزم على فعله والانقياد لقضاء اللَّه تعالى وحكمه في الأمر والنّهي كيف وأن ما ذكروه منتقض بما يحدثه اللَّه تبارك وتعالى للعبد من الغنى والصّحة فإن ذلك مما يوجب اعتقاد دوامه مع جواز إزالته بالفقر والمرض ومنها ما أشار إليه في المنية فقال احتجت اليهود بأن الفعل المأمور به شرعا إن كان حسنا امتنع النهي عنه لأن النهي عن الشيء ملزوم لقبحه وإن كان قبيحا استحال كونه مأمورا به وهو خلاف المقدر ثم أجاب عن هذا فقال الجواب أن الفعل المأمور به حسن عند الأمر به قبيح عند النهي عنه فإن الحسن والقبح قد يكونان ذاتيين للأفعال وقد يكونان عرضييان يختلفان باختلاف الأوقات و