السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
237
مفاتيح الأصول
بالنسبة إلى الحمل على الاستحباب فتأمل وأما ثالثا فلأن المفروض تحقق التنافي بين القول والفعل ولا يتم إلا بعد كونه بيانا بالنّسبة إلى جميع المكلَّفين وفيه نظر ولا يقال لم لا يجوز تقييد القول بحالة الظاهر وحمل الفعل على الوجوب لأنا نقول هذا التّأويل في غاية البعد فلا يصار إليه والذي يقتضيه التحقيق في هذا المقام هو أن يقال إن اللازم بعد تحقق التّنافي بين القول والفعل الأخذ بما هو الأقوى ولا يمكن دعوى أن الأقوى القول أو الفعل دائما لاختلاف الموارد ولكن ما صار إليه أولئك الجماعة من كون القول في محلّ البحث أقوى هو الغالب فتأمل الثانية أن يتقدم الفعل ويتعقبه القول وقد اختلفوا هنا على قولين الأول أن الفعل هو المبين فيكون الطواف الثاني في المثال المتقدم واجبا وهو للمحكي عن أبي الحسين الثاني إن القول هو المبين وهو للعدة والمختصر وشرحه للقول الأول إنّ الخطاب المجمل إذا تعقبه ما يجوز أن يكون بيانا له كان بيانا وللقول الثاني وجهان أحدهما ما ذكره في الإحكام فقال وإن كان الفعل متقدما فهو وإن دل على وجوب الطواف الثاني إلا أن القول بعده يدلّ على عدم وجوبه والقول بإهمال دلالة القول ممتنع فلم يبق إلا أن يكون ناسخا لوجوب الطواف الثاني الذي دل عليه الفعل وأن يحمل فعله على وجوب الطواف الثاني في حقه دون أمته وأن يحمل قوله على وجوب بيان وجوب الأول دون الثاني في حق أمته دونه والأشبه إنما هو الاحتمال الثاني دون الأول لما فيه من الجمع بين البيانين من غير نسخ ولا تعطيل انتهى وقد أشار إلى ما ذكر في المختصر وشرحه متمسكين به وثانيهما ما ذكره في النهاية فقال وقيل يكون القول بيانا مطلقا من غير تفصيل إلى تقدمه وتأخره لأنه بيان بنفسه والفعل لا يدل حتى يعرف ذلك إما بالظاهر أو بالاستدلال بدليل قولي أو عقلي فإذا لم ينقل ذلك لم يثبت كون الفعل بيانا ثم اعترض عليه فقال وليس بجيد لأن الفرض كون كل منهما صالحا للبيان فإذا فرضنا تقدم الفعل فهو بيان لوقوعه بعد إجمال ورود التعبد به فيكون بيانا له الثالثة أن لا يعلم بتقدم أحد الأمرين وتأخر الآخر وقد اختلفوا هنا على قولين أيضا الأول أن المتقدم منهما هو البيان وإن لم يعلم بخصوصه وهو للمحكي في بعض الكتب عن أبي الحسين الثاني أن المبين هو القول وهو للعدة والإحكام والمختصر وشرحه ويمكن استفادته من النهاية ولهم ما ذكره في الإحكام فقال إمّا أن جهل المتقدم منها فالأولى إنّما تقدير تقدم القول وجعله بيانا لوجهين الأول أنه مستقلّ بنفسه في الدلالة بخلاف الفعل فإنه لا يتم كونه بيانا من دون اقتران العلم الضروري بقصد النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم البيان به أو قول منه يدل على ذلك وذلك ممّا لا ضرورة فيه تدعوا إليه الثاني إنا إذا قدرنا تقدم القول أمكن حمل الفعل بعده على ندبيّة الطواف الثاني كما تقدم تعريفه ولو قدرنا فقدم الفعل يلزم منه إما إهمال دلالة القول أو كونه ناسخا لحكم الفعل وأن يكون الفعل بيانا لوجوب الطَّواف في حق النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم دون الأمة والقول دليلا على عدم وجوبه في حق أمته دونه والإهمال والنسخ على خلاف والافتراق بينه والأمة في وجوب الطواف الثاني مرجوح بالنظر إلى ما ذكرناه من أن التشريك هو الغالب دون الافتراق انتهى مفتاح لا إشكال ولا شبهة في أن المبيّن بفتح الياء والمبين بكسرها يجب أن يكون سندهما معتبر أو حجة فلو لم يكن سندهما أو سند أحدهما معتبرا كما إذا رويا أو أحدهما بطريق ضعيف لم يتصفا بالمبينة كما لا يخفى وهل يشترط في المبين بكسر الياء أن يكون سنده مثل سند المبين بفتح الياء قطعي السّند كما إذا كان من الكتاب والسنة المتواترة لم يخبر أن يكون مبيّنة ظني السّند وكذلك إذا كان سند المبين بفتح الياء صحيحا لم يجز أن يكون مبيّنه حسنا أو موثقا أو لا يشترط ذلك بل يكفي كون المبين حجة مطلقا فيصحّ البيان إذا كان المبين والمبيّن قطعيين سندا أو ظنيان سندا أو أحدهما قطعي السند والآخر ظني السّند سواء كان المبين رافعا للإجمال أو رافعا للظاهر كما إذا كان مخصّصا أو مقيدا اختلفوا في ذلك على قولين الأول أنه يشترط ذلك وهو للمحكي عن أبي الحسين الكرخي في جملة من الكتب ففي النهاية والمنية ذهب الكرخي إلى وجوب كون البيان معلوما ولهذا رد خبر الأوساق وهو قوله عليه السلام ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وعمل بعموم قوله فيما سقت السماء العشر وفي المعارج لا يجب أن يكون البيان كالمبين في القوة خلافا للكرخي فإنه لا يعمل بخبر الأوساق فيما سقت السّماء العشر انتهى ويظهر من الذريعة أنّ مذهب قوم ولعل حجتهم ما تمسّك به المانعون من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد وقد تقدم إليه الإشارة وضعفه كما عرفت الثاني أنه لا يشترط ذلك بل يكفي في المبين الحجيّة مطلقا وهو للمعارج والعدة والنهاية والتهذيب والمنية وعزاه في النهاية والمنية إلى المحققين فقالا بعد الإشارة إلى ما حكيناه عن الكرخي والمحققون على خلافه وأن يجوز أن يكون كل من البيان والمبين معلومين ومظنونين وأن