السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
238
مفاتيح الأصول
المبين معلوما والبيان مظنونا وبالعكس كما جاز تخصيص القرآن بخبر الواحد انتهى وهذا القول هو المعتمد عندي أمّا جواز رفع الظواهر القطعية وبيان إرادة خلاف ظاهرها بالبيان الظني فلما بينّاه في بحث جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد وأما جواز رفع الإجمال القطعي وبيانه بالظني فلظهور عدم القائل بالفصل بين جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد وجواز ما ذكر ولأن جواز ذلك يستلزم جواز هذا بطريق أولى على الأول يشمل الثاني هذا وقد قال المحقق بعد ما حكينا عنه سابقا وإنما قلنا ذلك لأنه لا يمتنع تعلَّق المصلحة به وهو متضمن لحكم شرعي عملي فجاز استفادته بالخبر المظنون وفي النهاية بعد ذلك أيضا لإمكان تعلَّق المصلحة بذلك انتهى وينبغي التنبيه على أمور الأول قال في العدة قد أجاز من خالفنا وقوع البيان بخبر الواحد والقياس كما أجاز والعمل بهما وعندنا أن ذلك غير جائز على ما بيّناه فأمّا على المذهب الذي اخترناه من العمل بالأخبار التي ينقلها الطائفة المحقة فإنه لا يمتنع العمل بها في بيان المجمل ولذلك رجعت الطائفة في كثير من أحكام الصّلاة والوضوء وأحكام الزكاة والصّوم والحج إلى الأخبار التي رووها ودونوها في كتبهم أصلا ومن قال من أصحابنا إنه لا يجوز العمل بها إلا إذا كانت معلومة ينبغي أن يقول لا يقع بها البيان أصلا وهذا خلاف ما عليه عمل الطائفة على ما بينا انتهى الثاني لا إشكال ولا شبهة في أن كلما يجوز به رفع الظاهر من خبر الواحد وغيره يجوز رفع الإجمال به وهل يجوز رفع الإجمال بما لا يجوز رفع الظاهر به أو لا الظاهر من القوم هو الأخير كما لا يخفى الثّالث قال في النهاية قال بعض الناس المجمل فيما يعمّ به البلوى كأوقات الصّلاة وكيفيتها وعدد ركعاتها ومقادير الزّكاة وجنسها لا يجوز أن يبين إلا بطريق قاطع وأما ما لا يعمّ به البلوى كقطع يد السّارق وما يجب على الأمة في الحدود وأحكام المكاتب والمدبر فيجوز أن يبين بخبر الواحد انتهى وهذا القول في غاية الضّعف الرابع هل يشترط في البيان أن يكون أقوى دلالة من المبين بفتح الياء أو لا اختلفوا فيه على قولين الأول أنه يشترط ذلك وهو للنهاية والمنية والإحكام والمختصر وشرحه وحكاه فيه عن الأكثر الثاني أنه لا يشترط وهو للمحكي في الإحكام والمختصر وشرحه عن أبي الحسين والكرخي وقد اختلفا فقال الأول فيما حكوا عنه يجوز البيان بالأدنى وقال الثاني فيما حكوا عنه لا يجوز إلا بالمساوي أو الأقوى والمعتمد عندي هو القول الأوّل للأصل والعمومات المانعة من العمل بغير العلم من الكتاب والسنة ومصير المعظم إليه وشذوذ المخالف بل قد يمنع من وجوده لقوة احتمال كون قولهما راجعا إلى اشتراط أقوائية السّند وما تمسّك به في شرح المختصر فقال في مقام الاحتجاج على المختار لنا أنه لا يجوز بالمرجوح لأنه يلزم منه إلغاء الراجح بالمرجوح وأنه باطل بيانه العام إذا بين والمطلق إذا قيد بما ليس دلالته على المحرج منهما كدلالة العام والمطلق بالقوة وقد ألغي دلالة العام عليه وهو أقوى بدلالة المخرج منه وهو أضعف وذلك ما ادعيناه وأما أنه لا يجوز بالمساوي فلأنّه يلزم التحكم إذ ليس أحدهما مع تساويهما أولى بالإبطال من الآخر انتهى وقد تمسّك بما ذكره من الحجة في المختصر أيضا فقال لنا لو كان مرجوحا ألقي الأقوى في العام إذا خصص وفي المطلق إذا قيد وفي التساوي التحكم وقد تمسّك به أيضا في النهاية والمنية والإحكام فقالوا إن كان المبيّن ظاهرا في أحدهما كالعام والمطلق وجب كون المخصص أقوى دلالة من العام على صورة التخصيص وكون المقيّد أقوى دلالة على صورة التقييد من المطلق على الإطلاق إذ لو تساويا لزم الوقف ولو كان البيان مرجوحا لاستحال العمل به للزوم إلغاء الراجح بالمرجوح وهو ممتنع وقالوا أيضا كما في شرح المختصر إن كان المبين مجملا كفي في بيان تعيين أحد احتماله بأدنى ما يفيد ترجيحه على الآخر وزاد في النهاية فقال لوجوب العمل بالراجح وفي شرح المختصر إذ لا تعارض انتهى وما ذكروه جيد مفتاح إذا تعلَّق الأمر والتكليف الإيجابي بمجمل كما في قوله آتني بالعين وصلّ على القول بإجماله فهل يجب على الأمر والمكلَّف أن يبين ذلك المجمل فالبيان يتبع المبين في الحكم هنا ولا يجب ذلك أطلق في الذريعة وموضع من التهذيب والمنية وجوب ذلك وفيه نظر بل التحقيق أن يقال إن كان المأمور والمكلَّف قادرا على الإتيان المأمور به من غير توقف على البيان كما في المثالين المذكورين إذ يجوز أن يحتاط بأن يأتي بجميع ما يحتمل تعلَّق الأمر به فلا إشكال في عدم وجوب البيان ولزومه حينئذ وأما احتمال وجوبه بالمعنى المتعارف بالنسبة إلى غير اللَّه عز وجلّ من سائر المكلَّفين كما في وجوب الصّلاة فمقطوع بفساده وإن لم يكن المأمور والمكلَّف قادرا على الإتيان بالمأمور به والخروج عن عهدة التكليف إلا بأن يبين المكلف والأمر ما أراده من الخطاب والأمر كما إذا لم يتمكن في المثالين المذكورين من العمل والإتيان بالمأمور به ولو بطريق الاحتياط كان البيان حينئذ واجبا لازما وإلا لجاز تركه ومعه يستلزم التكليف بما لا يطاق وهو باطل عندنا